NOVELFLEX

الثوب الوردي

سر القلادة · بقلم Amal Nosseiba

     الفصل الثاني:الثوب الوردي

أشرقت شمس الصباح التالي وآنا نائمة في حضن أمها بعد ليلة  طويلة عصيبة. 

من نافذة الغرفة، انسلت اشعة الشمس الذهبية ببطىء فوق وجهها الجميل لتوقظها، فتحت  عينيها الناعستين والتفتت إلى أمها تتأملها بهدوء، مسحت بلطف على شعرها الذهبي ثم وضعت يدها على جبينها لتستشعر حرارتها.

تنفست الصعداء وقالت في نفسها: 

«أف.. الحمد لله، لقد انخفضت حرارتها اخيرا».

قامت قاصدة المطبخ الصغير لتحضر شيئاً لأمها تأكله عندما تستيقظ، تلفتت إلى نافذة المطبخ لتلمح بعض الازهار الجميلة تنمو في الحديقة الخلفية للمنزل .خرجت بسرعة لتقطف بعضها،

«لطالما احبت امي الازهار،ربما رؤيتها لها سيجعلها تتحسن قليلا»قالت في نفسها وهي تتاملها.

وضعت باقة صغيرة في كاس ماء زجاجي إلى جانب الفطور الذي اعدته ثم جهزت نفسها لتباشر يوم عمل جديد؛قبلت أمها بخفة كي لا تزعجها وهي نائمة وهمت بالرحيل.

دخلت آنا منزل آل "ستيوارت" وهي تشعر بالطمأنينة لأنها ألفت أخيراً العمل وحدها؛ لقد شعرت أنها قادرة الآن على تحمل مسؤولية البيت بمفردها.

توجهت إلى المطبخ فوراً وهمت بتحضير فطور شهي للسيدة، أعدت المائدة وزينت وسطها بمزهرية جميلة وضعت فيها من الازهار التي قطفتها صباحا لتضفي جواً مبهجاً على المكان. أعجبت السيدة إليزابيث بالمائدة، وابتسمت ل"آنا "شاكرة لها  على حسن صنيعها.

اليزابيث:كيف اصبحت سامانثا اليوم؟

انا: لقد انخفضت حرارتها لكني لم اتمكن من سؤالها فقد كانت تغط في نوم عميق 

اليزابيث: لا باس سيفيدها بعض النوم الجيد 

هل حضرت لها شيئا لتاكله عندما تستيقظ؟ام اطلب من الحارس اخذ بعض الطعام لها؟

آنا:لا داعي لذلك سيدتي لقد حضرت لها بعض الحساء الخفيف فليست لديها شهية مؤخرا 

اليزابيث:لا تترددي في اخباري ان احتجت شيئا آخر 

آنا: شكرا جزيلا لاهتمامك سيدتي 

باشرت" آنا" تنظيف الغرف وتزيينها؛ فها هي ترتب الأسرّة، وتغير الستائر، وتمسح الغبار عن الأثاث وهي في قمة نشاطها، ثم تغسل الملابس المتراكمة وتجمع الغسيل النظيف من أجل الكي. كانت تحوم هنا وهناك مثل نحلة عاملة لا تهدأ.

ما إن أكملت" آنا" واجباتها الصباحية، حتى انطلقت لإعداد الغداء. في تلك الأثناء، أقبلت السيدة إليزابيث إلى المطبخ وطلبت منها مرافقتها مساءً إلى دكان الأقمشة للتسوق من أجل تصميمات جديدة كانت قد وعدت بها زبونة مهمة. 

فرحت" آنا" كثيراً، فهذه هي المرة الأولى التي ستزور فيها السوق! اجتهدت في تحضير الغداء بسرعة كي تستعد للتسوق، كما أعدت لائحة بالمواد التي تحتاجها من أجل إعداد العشاء.

كانت "سامانثا" قد حرصت على تعليم" آنا "بعض اساسيات  القراءة و الكتابة ،فقد كانت سليلة لأسرة متعلمة .لكن حياتها تغيرت بسبب ظروف قاهرة.

جهزت السيدة" إليزابيث" نفسها، وارتدت فستاناً  من تصميمها الخاص،كان الثوب ذو لون ازرق فيروزي مطرز بخيوط ذهبية يوحي لناظره بالتميز والجاذبية ،ولتزيد مظهرها جمالا ارتدت عقداً لامعاً من الأحجار الكريمة يناسب لون فستانها الأزرق. ووضعت فوق راسها قبعة مصنوعة من نفس القماش المخملي مزينة بريشة طاووس جميلة.

لطالما كانت السيدة اليزابيث ذات حضور قوي بين الناس فلم يجاريها احد في اناقتها حتى النبلاء أنفسهم.

 في المقابل، لم يكن لدى" آنا"سوى ثوبين اثنين، كانت قد اشترتهما والدتها لها سابقاً من سوق الثياب المستعملة، وقد بدأ القماش يتمزق عند الأكمام والوانه تبهت.

لم تكن"انا" تعير مظهرها الخارجي اي اهتمام من قبل ،فهي لم تخرج للاماكن العامة الا نادرا وكان ذلك برفقة امها فلم تكن ملابسهما مختلفة كثيرا عن بعض،فكلتاهما ترتدي ثيابا مستعملة وبالية 

لكن خروجها مع السيدةاليزابيث قد بين الفجوة بين مظهرها البسيط و مظهر السيدة الأنيق، وبدا عليها الخجل والارتباك .

«لا أستطيع الذهاب هكذا مع السيدة ،سوف احرجها امام الناس،انني ابدو كالمتسولة»قالت آنا في نفسها

 لمحت "إليزابيث" نظرات" آنا" وهي تتأمل ثوبها وتحاول طي أكمامها الممزقة لإخفائها. 

اتجهت" إليزابيث" نحوها، وكانت قد تناولت شريط القياس، وبدأت فجأة في أخذ قياسات" آنا" التي نظرت إليها بحيرة.

ابتسمت" إليزابيث" وقالت بنبرة خفيفة:

- ههه، لن تذهبي معي بهذا الفستان بالتأكيد! أظن أن لدي شيئاً يناسبكِ في المخزن.

غابت "إليزابيث" بعض الوقت ثم عادت تحمل شيئاً في يدها.

«إنه ثوب.. وهو يبدو بمقاسي!» قالت "آنا" في نفسها .

ناولتها" إليزابيث"إياه قائلة:

- تفضلي، جربي هذا. لقد اخطته في ما مضى لابنة احد الزبائن لكنها لم تاخذه.. يبدو قديماً قليلاً، لكنه أفضل بكثير مما ترتدين الآن.

ابتسمت" آنا "وعلامات الفرحة تعلو وجهها البريء.

حدثت نفسها بغبطة: «هذه أول مرة يهديني فيها شخص ما شيئاً.. إنه شعور جميل حقاً».

أخذت الثوب من يدي السيدة واتجهت مسرعة إلى غرفة فارغة لتجربته، ارتدت الثوب على عجل ونظرت إلى انعكاسها  على المرآة وعيناها  الزرقاوتان الجميلتان تضحكان من الفرح وهمست في داخلها :

«إنه جميل جداً! وهو يناسبني تماماً.. كما أنه من تصميم السيدة إليزابيث نفسها، يا لي من محظوظة! »

خرجت" آنا" من الغرفة مطأطأة الراس من الخجل بسبب تصرفها السخيف فلطالما كانت فتاة هادئة كما عرفها الجميع 

 نظرت إليها إليزابيث وقالت:

جيد، إنه يناسبكِ بالفعل، لقد خمنتُ هذا.

ردت" آنا" بامتنان شديد:شكراً جزيلاً لكِ سيدتي.

كان الثوب الذي أهدته السيدة لي ذو لون وردي فاتح، مع ياقة من الدانتيل الناعم وأزرار لؤلؤية تزين جانبي الأكمام. لقد أحسستُ نفسي أميرة وأنا ارتديه، إنه شعور رائع أن تلبس شيئاً جديداً وجميلاً.

قالت إليزابيث وهي تلتفت نحو الباب:

- إذن، لننطلق إن كنتِ قد أنهيتِ استعدادكِ.

أجابت "آنا" بحماس: نعم سيدتي، أنا جاهزة.

غادرت "آنا"باب المنزل برفقة السيدة، لتجد عربة خشبية أنيقة بانتظارهما عند المدخل...

(يتبع...)