NOVELFLEX

صراع الأرواح وانكسار العهد

ميثاق الظل · بقلم Rahimo😝hanifi

أظلمت السماء في تلك الليلة وكأن الليل صب كحلته فوق القرية دفعة واحدة. حلّت ليلة اكتمال القمر في منتصف الشهر، وهي الليلة التي حددها السفر الأسود لـ "تجديد العهد أو انتقال السكنى".

​كان البيت يئز ويئن. الرياح الخارجيّة تضرب الجدران كأنها محركات ديزل غاضبة، بينما كانت الصالة السفلى للبيت تحترق بأضواء زرقاء وبيضاء تسطع من لا مكان. أثاث البيت كله كان معلقاً على ارتفاع سنتيمترات من الأرض، والأواني تدور في الهواء في حلقة منتظمة كأنها كواكب حول شمس مجهولة.

​في أقصى الصالة، كانت الجدة فاطمة مستلقية على جلود الخراف، وجسدها يرتجف بشكل هستيري. كان الدخان الأبيض يخرج من أنفاسها مع كل زفير، وجهها يتغير كل لحظة؛ فتارة تظهر عليه ملامح شيخ محارب بخطوط قاسية، وتارة ملامح امرأة ذات عيون مشقوقة، وتارة تعود ملامح فاطمة العجوز الخائفة.

​ركضت صبا نحو جدتها، ولم تكن تسعى للهرب، بل كان حبها للجدة ورغبتها في الخلاص هما ما يحرّكانها. جلست بجانبها، وضمّت رأس جدتها إلى صدرها.

​سقطت دموعة دافئة من عيني الجدة، وطغى صوتها الحقيقي الضعيف للحظات قليلة وسط عاصفة الأصوات الخفية:

"صبا... بنيتي... هربتُ بكِ عن كل شيء... صمدتُ ستين عاماً أحملهم في دمي حتى لا يمسكِ ضرر... لكن جسدي المتهالك لم يعد يحتمل عرشهم... هم يريدونكِ أنتِ الآن... نفاذ القوة سيقتلني وسيأسركِ أنتِ إلى الأبد!"

​في تلك اللحظة، تجسد ظل ضخم كالعملاق أمام صبا، وخرج منه صوت "مهاب"، القائد الخفي للقبيلة:

"لا مفر يا صبا! نحن قبيلة العمار الأقدمين، إن خرجنا إلى الخلاء دون وعاء هاشمي زكي، ستسحقنا قبائل المردة، وسيدمر هذا البيت ومن فيه! انتقلي معنا واقبلي العهد، وستملكين أسرار الأرض والسماء!"

​تذكرت صبا ما قرأته في أواخر الصفحة الأخيرة من المخطوط الأسود—فقرة صغيرة كتبت بخط باهت وكأن الجدة فاطمة كتبتها في لحظة صفاء ونورانية: "لكل ميثاق أرضي مفتاح سماوي... والعهد لا يفك بقوة السلاح، بل بيقين الرفض، وتطهير الدم بالماء والملح وآيات التوحيد عند موضع الرمز الأول."

​جمعت صبا كل ذرة شجاعة في روحها. لم تكن تريد أن تكون قارورة لأرواح لا تنتمي لعالم البشر، ولم تكن تريد لجدتها أن تموت تحت عبء هذا العرش المظلم.

​قامت صبا وركضت نحو المطبخ تحت تساقط الأواني واهتزاز الجدران الشديد. أحضرت إناءً خشبياً مليئاً بماء البئر المخلوط بملح الحصى الصافي وماء الورد—وهو المزيج الذي كانت الجدة تطهر به البيت دائماً.

​عادت إلى الصالة، ووقفت أمام الظل الضخم وبقية الظلال الملتفة في الغرفة. صرخت بصوت هز أرجاء المكان، صوت نبع من أعمق نقطة في إيمانها وحريتها:

"أنا صبا بنت خالد... أرفض العهد! أرفض أن أكون عرشاً أو مأوى! برئتُ من هذا الميثاق ومن كل عقد عقد قبل أن أولد!"

​رفعت إناء الماء المالح، وبدأت تتلو سور القرآن وتعاويذ التطهير والتوحيد بصوت هائل يتردد صداه كالرعد. اقتربت من الجدة وضغطت بكفها المبتلة بالماء والملح مباشرة على الوشم الأساسي الموجود على معصم الجدة الأيمن—مركز العقد والرمز الأول.

​ما إن لمس الماء المالح الوشم، حتى تصاعد صراخ جماعي زلزل أرواح الجدران! توهج الوشم باللون الأحمر الناري ثم بدأ يحترق حرقاً طفيفاً متصاعداً منه دخان أبيض ناصع البريق.

​كانت الظلال تصرخ، وتتخبط، وتحاول الاقتراب من صبا، لكن هالة النور واليقين التي أحاطت بالفتاة كانت كالسور المنيع الذي يحرق كل من يدنو منه. تحولت الأصوات الحادة الغليظة إلى توسلات، ثم إلى رجاء، ثم بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً كالدخان الذي تذروه الرياح في ليلة عاصفة.

​انفجرت النافذة الرئيسية للصالة، وخرج منها شعاع ضوئي وأعصار خفيف من الدخان الأبيض والرمادي، متجهاً نحو السماء المظلمة، مخترقاً سحب الليل نحو الخلاء البعيد.

​وفجأة... حلّ الصمت.

​صمت مطلق، عميق، ونقي. سقطت كل الأواني والأثاث المعلق على الأرض ببطء. انقضت العاصفة، وجلست الرياح في باحة البيت.

​انكسر الضوء الأزرق المريب، وجلست صبا على الأرض، تتنفس بصعوبة وقلبها يخفق كطير مذبوح. نظرت إلى جدتها.

​كانت الجدة فاطمة مستلقية، لكن وجهها كان خفيفاً، ذابلة منه تلك النبرة الحادة والجمود السحري. انفتحت عيناها... وكانت عيوناً بشرية صافية تماماً، تلتمع بدموع الفرح والراحة. اختفت الوشوم التراثية الخضراء من على ذراعيها وجهها، ولم يتبقَ منها سوى أثر باهت كعلامات التندب القديم.

​رفعت الجدة يدها الباردة، ووضعتها على خد صبا، وتكلمت بصوتها الحقيقي النقي، صوت الجدة التي أحبتها صبا دائماً:

"لقد كسرتِ القيد يا صبا... حررتِ أجدادكِ، وحررتِني... وحررتِ نفسكِ من عبءٍ كان سيأكل نسلكِ إلى أبد الآبدين."

​مع تباشير الفجر الأولى، تسللت أشعة الشمس الدافئة عبر النافذة المكسورة، لتملأ الصالة بنور خالص لم تدخله الظلمات منذ عقود. عاشت صبا مع جدتها ما تبقى من أيام في أمان وسلام تاميْن؛ خلت الغرف من الهمسات، ونظفت المخطوطات القديمة وأحرقت بالكامل في باحة البيت، وغدت القرية تنام وتستيقظ دون أن تعلم أن الفتاة النحيلة في البيت القديم قد خاضت حرباً خفية ضد قبيلة من الجن... وانتصرت بحريتها وإيمانها النهاية يوجد الكثير من الناس لايصلون لنهاية روياتي إدا وصلت إلى هاده الرواية فعلم انك من احب الناس لي شكرا،