NOVELFLEX

✓✓الفصل الأول : ( الهالة)

رسائل بلا عنوان · بقلم ABACHRI

✓✓الفصل الأول : ( الهالة)

كانت المدينة تضج بالضوضاء المعتادة؛ صخبٌ لا يهدأ، محركات تنفث زفيرها في وجه العابرين، نداءات باعة متجولين يبيعون بضائعهم وأصواتهم، وخطوات آلاف الناس المتسارعة التي لا تملك هدفاً سوى الوصول، دون أن يدري أحدٌ منهم ماذا ينتظره عند خط النهاية. وفي وسط هذا السيل البشري الهادر، كانت هي تعَبرُ الزحام كأنها تسير في عالمٍ موازٍ، محميةً بفقاعة غير مرئية تفصلها عن ضجيج القاع.

لم تكن تشبه أحداً في تلك الظهيرة الخريفية التي اصطبغت فيها الشوارع بلون الذهب الباهت. كانت تمشي بثقةٍ صامتة، تلك الثقة العميقة التي لا تحتاج إلى ضجيج أو استعراض لتثبتُ وجودها؛ بل إن صمتها كان أشد صخباً من صراخ الجميع. كانت الأرض تحت قدميها، في نظر كل من ي راقبها، كأنها خُلقت خصيصاً لتواكب رصانة خطواتها الموزونة، وكأن كل حجر في الطريق يعتز بلمسة حذائها. كانت تبدو وكأنها تملك في جيب معطفها سراً كونياً لا يملكه أحد غيرها، خريطةً لبلادٍ لم تطأها أقدام العابرين. لم تكن من النوع الذي يوزع الابتسامات يميناً ويسار اً لتكسب الرضا؛ فقد كانت تقتصد في حديثها حد الشح، لكنها حين تقرر الكلام، تختار كلماٍتٍ دقيقة تشبه الطلقات الرخامية؛ باردة في ملمسها، ملساء في صياغتها، لكنها تترك في سويداء القلب أثراً غائراً لا يمُحى بمرور السنين.

كان المارّة يلتفتون خلفهم مرتين في مشهد رتيب يتكرر كلما مرت. المرة الأولى تأتي بدافع الفضول لجمالٍ هادئ ووقور لا يستعرض نفسه ولا يبتذل ملامحه، والمرة الثانية كانت بسبب تلك "الهالة" الغامضة التي

تلف جسدها كغلالة من ضباب خفيف. شيءٌ ما لا يوُصف بالكلمات، لكنه يشعَُ ُ ر به في الهواء المحيط بها، كأنها مغناطيس عظيم يجذب الانتباه بسحرٍ خاص، ثم يطرده بعيداً ببرودٍ محبب وكبرياء لا ينكسر.

كانت تشبه في جوهرها "الفصل الخامس"؛ ذلك الفصل الأسطوري الذي سقط سهواً من تقويم البشر، فلا هو يلتحف بحرارة الصيف اللافحة، ولا يرتجف ببرودة الشتاء القارصة، بل هو مزيجٌ نادر من كل شيء، فصلٌ يزُهر فيه قلبها حين يذبل الجميع، ويشتعل فيه ذكاؤها حين تخبو أنوار الآخرين. الكل في حيهّا القديم، في مكتبها الهادئ، وفي دائرتها القريبة يعرف وجهها جيداً، لكن أحداً لم يستطع يوماً أن يصف جوهرها تماماً أو يضع يده على سر جاذبيتها.

ــ كانوا يكتفون بجملة واحدة تختصر عجزهم:

ـــ "إنها مختلفة".

وفقط من امتلك الجرأة ليغرق في تفاصيلها اليومية الصغيرة، يدرك بيقينٍ أن كل كلمة في هذه الرواية قد نحُتت من صخرٍ لأجلها.. حتى وإن بقي اسمها غائباً عن الغلاف، وحاضراً في كل سطر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ ◈ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ