الفصل السادس والأربعون: الاسرار في كل مكان
اقتحم فيكتور بنفسه، على رأس عشرات الرجال المسلحين، البوابة الرئيسية للقصر الذي كان يوماً معقل رافين الرئيسي، أبواب مكسورة، ممرات فارغة، صدى خطواتهم فقط يملأ المكان.
"فتشوا كل غرفة!" صرخ بحدة، سلاحه جاهز، عيناه تمسحان الفراغ من حوله بغضب متصاعد. "لا بد أنهم تركوا شيئاً، أثراً، أي شيء!"
اندفع رجاله في كل الاتجاهات، أصوات أبواب تُفتح بعنف، أدراج تُقلب، لكن الدقائق مرّت، والتقارير توالت واحداً تلو الآخر:
"لا أحد في الطابق الثاني!"
"المكتب فارغ تماماً، حتى الملفات أُخذت!"
"لا أثر لأي شخص في الجناح الغربي!"
وقف فيكتور في وسط الردهة الفارغة، وجهه يحمر من الغضب المتصاعد، حتى انفجر أخيراً، ركل طاولة قريبة فانقلبت بصوت مدوٍ.
"هربوا!" صرخ بصوت يكاد يهز الجدران. "هربوا وتركونا نطارد أشباحاً!"
"سيدي، ربما كانوا يعرفون بخطتنا مسبقاً—"
"بالطبع كانوا يعرفون!" التفت نحو الرجل الذي تحدث بغضب أعمى، أمسك بياقته بعنف. "من أخبرهم؟ من بينكم تحديداً خانني هذه المرة؟!"
"لا أحد، أقسم لك!"
دفعه فيكتور بعيداً بازدراء، وأنفاسه ثقيلة من الغضب المكتوم. نظر حوله مرة أخيرة إلى القصر الفارغ الذي كان يظن أنه سيجد فيه كل الإجابات.
"المكان الذي أريده ليس هنا حتى." همس لنفسه بمرارة، أدرك فجأة أن الملف، وإلينا، وكل ما يبحث عنه، لم يكن في هذا القصر يوماً، بل في مكان آخر تماماً غادروه إليه بالفعل. "لعنة الله عليهم جميعاً."
في مطبخ القصر الأصلي، كانت سيلين تقف أمام طاولة خشبية عريضة، يداها ملطختان بالدقيق والعجين، وابتسامة متعبة لكنها سعيدة على وجهها.
"أحقاً تعتقدين أن هذا سينجح؟" سألها كايدن، واقفاً بجانبها يحمل سلة من التوت الأزرق الطازج الذي جمعوه من حديقة القصر.
"بالطبع سينجح." ردت بثقة، وهي تضيف طبقة أخرى من العجين. "كعكة بسيطة بالتوت الأزرق، فاكهتها المفضلة كما اكتشفنا مؤخراً. أريدها أن تشعر أن أحداً ما زال يتذكر أن اليوم مميز، رغم كل ما مررنا به."
"متأكدة أن اليوم هو عيد ميلادها فعلاً؟"
"متأكدة تماماً. لطالما احتفلنا معاً كل عام، منذ أن كنا طالبتين." ابتسمت بحزن خفيف. "لم أتخيل يوماً أننا سنحتفل به في ظروف كهذه."
دخل إلسيان في تلك اللحظة، يبحث عن كايدن لأمر عاجل، لكنه توقف عند سماع الكلمة الأخيرة.
"عيد ميلاد؟" كرر الكلمة بارتباك واضح لا يخفيه برود وجهه المعتاد هذه المرة. "عيد ميلاد من؟"
تبادل كايدن وسيلين نظرة مندهشة.
"إلينا، بالطبع." أجابت سيلين بحذر. "اليوم بالضبط. ألم تكن تعرف؟"
صمت إلسيان للحظة طويلة، وشيء يشبه الحرج النادر يظهر على ملامحه.
"لا." اعترف أخيراً بصراحة غير معتادة. "لم أكن أعرف."
"كيف لا تعرف تاريخ ميلاد الفتاة التي تحميها بحياتك؟" سأل كايدن بسخرية خفيفة، لكن نبرته لم تخلُ من دهشة حقيقية.
لم يجب إلسيان، فقط استدار بصمت، وخرج من المطبخ بخطوات سريعة، عقله يعمل بسرعة محاولاً استيعاب أنه، رغم كل شيء فعله من أجلها، لم يكلف نفسه يوماً عناء معرفة تفصيل بهذه البساطة عنها.
في الطابق العلوي، كانت إلينا تجلس وحدها في غرفتها القديمة، حين بدأ صداع خفيف يتسلل إليها مجدداً، أخف في البداية، لكنه تصاعد بسرعة غير متوقعة حتى أصبح مؤلماً بشدة خلال دقائق قليلة.
ومضت الذكريات فجأة، مختلفة هذه المرة، أكثر تحديداً: طاولة مزينة بالبالونات، كعكة صغيرة عليها شمعة واحدة تحمل رقم ستة، صوت غناء جماعي، ووجه والدها يبتسم لها بفخر، يحملها عالياً بين ذراعيه وسط ضحكات الحاضرين.
ثم، فجأة، تغيّر المشهد، الابتسامات تحولت إلى صراخ، أشخاص يركضون، يد تسحبها بعنف بعيداً عن الحفلة، صوت والدها يصرخ اسمها من بعيد وهو يحاول اللحاق بها دون جدوى.
"لا! أبي!" صرخت إلينا بصوت مرتفع، وجسدها يرتجف بعنف على الكرسي.
سمعت سيلين صراخها من الطابق السفلي، وركضت مسرعة، لتجد إلينا تتشنج قليلاً، دم يسيل من أنفها بغزارة أكبر من المعتاد، قبل أن تفقد وعيها تماماً بين ذراعي صديقتها المذعورة.
"إلسيان! كايدن! أسرعوا!"
اندفع الجميع نحو الغرفة، وحمل إلسيان إلينا بذراعيه المرتجفتين قليلاً لأول مرة أمام الجميع، بينما حاول الطبيب المرافق فحصها بسرعة.
"ستكون بخير." قال الطبيب أخيراً بعد فحص متوتر. "إرهاق شديد من عودة الذكريات بكثافة. تحتاج راحة تامة فقط."
تنفس الجميع الصعداء، والتوتر بدأ يخف تدريجياً في الغرفة.
حاول كايدن، بطريقته المعتادة، كسر الجو الثقيل بمزحة سريعة لم يفكر فيها جيداً.
"بصراحة يا سيلين، يجب أن نبدأ عد مرات إغمائكِ أنتِ أيضاً هذا الأسبوع. متى ستتوقفين عن هذه العادة؟"
لم تكن سيلين في مزاج يسمح بالمزاح، خاصة بعد ما رأته للتو. ضربته بكفها على ذراعه بغضب حقيقي، عيناها لا تزالان دامعتين من القلق على صديقتها.
"هذا ليس وقت مزاحك السخيف يا كايدن! إلينا تعاني حقاً، وأنت تفكر في نكاتك؟!"
"كنت فقط أحاول تخفيف التوتر—"
"لم يطلب منك أحد ذلك!"
رمقه إلسيان بنظرة باردة حادة من فوق كتف إلينا الفاقدة للوعي، نظرة لم تحتج كلمة واحدة لتوصل رسالتها بوضوح تام: هذا ليس الوقت المناسب إطلاقاً. ابتلع كايدن ريقه بصعوبة، وتراجع خطوة صامتاً، مدركاً أنه أخطأ التقدير هذه المرة بشكل واضح.
بعيداً عن كل هذا، في غرفة مظلمة صغيرة، جلست لاندا وحدها، تمسك بصورة قديمة مهترئة الأطراف بين أصابعها، صورة لفتاة شابة تضحك بحرية، بجانب شاب وسيم بعيون مليئة بالحياة، قبل أن تسرقها السنوات والقسوة من كليهما.
مررت أصابعها على الصورة برفق، وكأنها تلمس شيئاً لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة.
"أين ذهبت؟" همست للصورة بصوت مكسور، دموع صامتة تنزلق دون أن تحاول إيقافها. "الفتاة التي كنتِها يوماً؟ متى بالضبط سمحتِ لهم بسرقتك مني؟"
أغلقت عينيها، وضمّت الصورة إلى صدرها بإحكام، كأنها تحاول استعادة شيء ثمين ضاع منها منذ زمن بعيد، شيء تعرف في أعماقها أنها لن تستطيع استرجاعه أبداً، مهما حاولت.