NOVELFLEX

الفصل الرابع والثلاثون: ألم و خوف

حين يبتلع الليل · بقلم Maria Ait el hocine

الفصل الرابع والثلاثون: ألم و خوف

فتحت إلينا عينيها ببطء، والألم أول ما استقبلها، خفقان حاد في خدها الأيسر تبعه دوار خفيف حين حاولت أن تتحرك. لم تكن على الأرض الباردة كما تذكرت آخر لحظة قبل أن يبتلعها الظلام، بل على سرير، بفراش ناعم غريب عن قسوة كل ما عاشته في الساعات الماضية.

استدارت رأسها ببطء، فرأت لاندا واقفة عند الباب، ظهرها نصفه مواجه للخروج، وكأنها كانت تغادر للتو، أو تنتظر أن تستيقظ إلينا لتغادر بعدها مباشرة.

"استيقظتِ." قالت لاندا دون أن تستدير بالكامل، صوتها أهدأ مما عهدته إلينا فيه.

لم تجب إلينا فوراً. حاولت أن تستوعب المكان، الفراش، غياب فيكتور، وجود لاندا وحدها هذه المرة دون ابتسامتها المعتادة.

"لماذا أنا هنا؟ في سرير؟"

"لأن فيكتور لا يعرف كيف يتعامل مع النساء إلا بطريقة واحدة." جاءت الإجابة جافة، بلا اعتذار واضح لكن بلا دفاع عنه أيضاً.

جلست إلينا ببطء، والغضب يعود إليها أسرع من الألم نفسه. "وأنتِ؟ هل أتيتِ لتتأكدي أنني ما زلت حية بما يكفي لتستخدموني مجدداً؟"

"أتيت لأضع ثلجاً على وجهكِ." أشارت لاندا نحو منشفة باردة موضوعة على الطاولة القريبة. "هذا كل شيء."

"كل شيء؟" ضحكت إلينا ضحكة مريرة، جافة، لا أثر فيها للفكاهة. "كيف تفعلين هذا؟ كيف تقفين هنا، هادئة، بعد كل ما رأيتِه يحدث لي؟ أم أنكِ فقدتِ كل ما يجعلكِ امرأة منذ زمن بعيد؟"

توقفت لاندا للحظة، لكنها لم تستدر.

"احذري مما تقولينه."

"لماذا؟ هل الحقيقة تؤلم أكثر من الصفعة؟" اقتربت إلينا من حافة السرير، صوتها يرتجف من الغضب لا من الضعف. "امرأة حقيقية لا تقف صامتة بينما رجل يضرب امرأة أخرى أمامها ثم يتركها فاقدة الوعي على الأرض! أنتِ لستِ أفضل منه، بل ربما أسوأ، لأنكِ تعرفين، وتصمتين، وتغسلين يديك ببعض الثلج وكأنه يكفي!"

استدارت لاندا أخيراً، ولوجهها تعبير لم تره إلينا من قبل، شيء يشبه الجرح القديم أكثر من الغضب.

"لا تعرفين شيئاً عني."

"ولا أريد أن أعرف! غادري فقط. لا أحتاج شفقتكِ المتأخرة ولا ثلجكِ ولا وجودكِ في هذه الغرفة!"

بقيت لاندا صامتة للحظة أطول مما توقعت إلينا، ثم، دون كلمة أخرى، خرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء غريب، أهدأ بكثير من الغضب الذي كان يستحق أن يقابل كلاماً كهذا.

بقيت إلينا وحدها، تحدق في الباب المغلق، وتساؤل غريب يتسلل إليها رغم كل شيء: لماذا لم تردّ لاندا؟ لماذا غادرت بهذا الصمت الثقيل، وكأن كلمات إلينا لامست شيئاً حقيقياً بداخلها؟

على الطرف الآخر من المدينة، كان إلسيان جالساً خلف مكتبه، لا يقرأ شيئاً، لا يكتب شيئاً، فقط ينظر إلى نقطة ثابتة في الفراغ أمامه، وأصابعه تطرق بإيقاع بطيء متكرر على سطح الخشب، الحركة الوحيدة التي تكشف أن عقله يعمل بلا توقف خلف ذلك الهدوء المصطنع.

في الغرفة المجاورة، كانت سيلين تغيّر ضماد كايدن بيدين ما زالتا ترتجفان قليلاً، رغم أنها حاولت جاهدة أن تخفي ذلك طوال اليوم.

"ببطء أكثر." قال كايدن بابتسامة متعبة، محاولاً تخفيف التوتر كعادته. "لستِ في عجلة لتنهي وردية عملك."

لم تضحك سيلين هذه المرة. استمرت في عملها بصمت، حتى سقطت دمعة واحدة على يدها دون سابق إنذار، تبعتها أخرى، حتى لم تعد قادرة على إخفاء ما كانت تكبته منذ ساعات.

"سيلين..."

"لا أستطيع." همست، وصوتها ينكسر أخيراً. "لا أستطيع التظاهر بأنني بخير بينما هي هناك، في مكان لا نعرفه، مع أناس قد يؤذونها الآن، في هذه اللحظة بالذات، وأنا هنا أضمّد جرحاً بسيطاً وكأن العالم طبيعي!"

أمسك كايدن يدها بلطف، رغم الألم الذي سببه الحركة لجنبه. "سيلين، انظري إليّ. سنستعيدها."

"متى؟" رفعت عينيها الدامعتين نحوه، ثم تجاوزته بنظرة نحو باب المكتب المغلق، حيث كان إلسيان جالساً وحيداً. "إلينا هي صديقتي الوحيدة، كايدن. الوحيدة الحقيقية التي لم تنظر إليّ يوماً كجزء من عالم رافين، بل كسيلين فقط. أرجوك، اذهب إليه. أخبره أنه يجب أن يعيدها. ليس غداً، ليس حين يكتمل كل تخطيطه البارد. الآن."

نظر كايدن إليها طويلاً، متأثراً بصدق حزنها أكثر مما توقع، ثم أومأ برأسه ببطء.

"سأتحدث إليه. أعدكِ."