الفصل السادس والستون:للندا و الزعيم الجديد
مرّت ساعات طويلة على لاندا في تلك الغرفة الأنيقة الغريبة، دون أن تعرف عدد الأيام التي انقضت بالضبط، إذ لم تكن هناك نوافذ تكشف الليل من النهار، فقط ضوء اصطناعي ثابت لا يتغير أبداً.
عادت المرأة الأنيقة مرة أخرى، هذه المرة تحمل صينية طعام بسيط، ووضعتها أمام لاندا دون كلمة، قبل أن تجلس على الكرسي المقابل بهدوء مدروس.
"لم تأكلي شيئاً منذ وصولك." قالت أخيراً. "هذا لن يساعدك على مواجهة ما هو قادم."
"وماذا بالضبط قادم؟" سألت لاندا بصوت أجش من قلة الكلام. "متى سأقابل هذا 'السيد' الذي تتحدثين عنه باستمرار؟"
ابتسمت المرأة ابتسامتها الباردة المعتادة. "الليلة. أخيراً حان الوقت."
جاء الليل، أو ما افترضت لاندا أنه الليل، حين فُتح الباب مجدداً، ورافقها الرجلان الأنيقان الصامتان عبر ممرات طويلة مضاءة بشكل خافت، حتى وصلوا إلى غرفة أكبر بكثير، مظلمة تقريباً، إلا من دائرة ضوء واحدة تتوسط المكان، وكرسي فارغ ينتظرها في مركزها بالضبط.
جلست حيث أُشير لها، قلبها يخفق بعنف رغم محاولاتها المستميتة للحفاظ على هدوء ظاهري.
من الظلام المحيط، خارج نطاق الضوء تماماً، جاء الصوت الهادئ العميق الذي سمعته من قبل عبر هاتف فيكتور فقط، لكنه الآن أقرب بكثير، يكاد يلامس جلدها برودته.
"لاندا. أخيراً نلتقي وجهاً لوجه، رغم أنكِ لن تري وجهي الحقيقي هذه الليلة، ولا أي ليلة أخرى قريبة."
"ماذا تريد مني؟" سألت بصوت حاولت أن يبقى ثابتاً.
"أريد أن أفهمك أولاً." أجاب الصوت ببطء متأمل. "سبعة عشر عاماً من الخدمة المطلقة لرجل تعرفين أنه مجرد أداة في يد أكبر منه. ثم، فجأة، قرار وحيد بالخيانة، لا لمصلحة شخصية، بل بدافع أخلاقي بحت. هذا نادر جداً، لاندا. أندر مما تتخيلين في عالمنا هذا."
"أنا لست فخورة بما فعلته." قالت بصدق. "لكنني لم أستطع الاستمرار في مشاهدة ما كنا نتحول إليه."
"بالضبط هذا ما يثير اهتمامي." أكمل الصوت بنبرة تحمل ما يشبه الإعجاب البارد. "لديّ رجال كُثر ينفذون أوامري بولاء أعمى، ونساء أيضاً، لكن جميعهم يخدمونني خوفاً أو طمعاً. أنتِ الشخص الوحيد الذي قابلته منذ سنوات طويلة يخون بدافع الضمير وحده. هذا النوع من القوة الأخلاقية، لو وُجّه بالطريقة الصحيحة، يمكن أن يكون أداة أقوى بكثير من الولاء الأعمى الذي اعتدت عليه من فيكتور وأمثاله."
اتسعت عينا لاندا في الظلام. "تريدني أن أخونك أنت أيضاً في النهاية، أليس كذلك؟ هذا ما تخشاه بالضبط."
ضحك الصوت ضحكة قصيرة جافة، خالية من أي فكاهة حقيقية.
"ذكية أيضاً. هذا يعجبني أكثر." توقف للحظة. "لا، لاندا. لا أخشى خيانتك، لأنني لن أطلب منكِ شيئاً يتعارض مع ذلك الضمير الذي دفعك للخيانة أصلاً. عرضي بسيط: اعملي لصالحي، ليس كأداة عمياء كما كنتِ مع فيكتور، بل كشريكة حقيقية تعرف الأهداف الكبرى وتوافق عليها بضميرها لا بخوفها فقط."
"وما هي هذه الأهداف الكبرى؟" سألت لاندا بحذر شديد.
صمت الصوت لحظة طويلة، كأنه يقيّم مدى استعدادها لسماع الإجابة.
"تفكيك عالم كامل من الفساد المتراكم عبر أجيال، وبناء نظام جديد من تحته، نظام تكون فيه الولاءات مبنية على الاقتناع الحقيقي لا الخوف الأعمى." قال أخيراً. "فيكتور، رافين، حتى الملف الذي تبحث عنه إلينا نفسها، كلهم مجرد أدوات صغيرة في لوحة أكبر بكثير مما تتخيلين، لوحة أعمل على رسمها منذ أكثر من سبعة عشر عاماً."
شعرت لاندا برعشة باردة تسري في جسدها، تدرك فجأة أنها تجلس أمام شيء أكبر بكثير من مجرد رجل انتقام، بل عقل مدبر يخطط على مستوى أوسع من أي شيء تخيلته يوماً.
"وإذا رفضت عرضك؟" سألت أخيراً بشجاعة متبقية.
"لن أجبرك على شيء، لاندا." أجاب الصوت بهدوء مخيف. "لكنكِ ستبقين هنا إلى الأبد، لا حرة ولا أسيرة تماماً بالمعنى المعروف، فقط... منسية. لن أوذيك، لكنني أيضاً لن أحررك للعودة إلى عالم لم يعد يثق بك، ولا يمكنه أن يثق بك مجدداً بعد ما فعلتِه."
فكرت لاندا طويلاً في صمت ثقيل، تزن كل الاحتمالات المتاحة أمامها: العودة مستحيلة، البقاء وحيدة منسية لا يُطاق، والقبول يعني الانضمام لجهة لا تعرف عنها شيئاً حقيقياً بعد سوى غموضها المرعب.
"أريد ضمانة واحدة قبل أن أقرر." قالت أخيراً بصوت متماسك بصعوبة. "أريد أن أعرف أن إلينا لن تتأذى في أي خطة تطلبها مني. لن أشارك في أي شيء يؤذيها هي تحديداً."
ساد صمت طويل آخر في الظلام، قبل أن يجيب الصوت بنبرة غامضة يصعب تفسيرها تماماً.
"إلينا ليست هدفي الحقيقي، لاندا، ولم تكن يوماً كذلك. إنها فقط... مفتاح لباب أكبر بكثير مما تتخيلين. طالما بقيت هي بعيدة عن ذلك الباب تحديداً، فلن يصيبها أي أذى مني شخصياً."
لم تكن هذه الإجابة مطمئنة تماماً، لكنها كانت كافية للاندا لتتخذ قرارها في تلك اللحظة، قراراً سيغيّر مسار كل شيء قادم بطريقة لم تكن تتخيلها بعد.
"سأعمل معك." قالت أخيراً بصوت هادئ حازم. "لكن بشروطي، لا كأداة عمياء كما كنت من قبل."
من الظلام، جاء صوت الرضا الهادئ للمستثمر الصامت، رضا رجل حصل للتو على قطعة جديدة قيّمة في لعبته الكبرى الممتدة منذ سبعة عشر عاماً على الأقل، وربما أطول من ذلك بكثير مما يعرفه أي شخص حي الآن.