الفصل الثامن والستون:بين الخيانة و الحقيقة
ظل السؤال معلقاً في الهواء لثوانٍ طويلة مشحونة، قبل أن يكسر إلسيان الصمت أخيراً، صوته حاداً كالسكين.
"لم تأتِ إلى هنا لتتحدثي عن الماضي، صوفيا. أعرفك جيداً بما يكفي لأدرك أن لا شيء تفعلينه بلا سبب مباشر ونفعي تماماً. ماذا تريدين بالضبط؟"
ابتسمت صوفيا ابتسامة أوسع، معجبة على ما يبدو بحدّة ملاحظته رغم كل شيء.
"دائماً ذكي جداً، حتى في أسوأ اللحظات." قالت، تتقدم نحو كرسي فارغ وتجلس عليه دون دعوة، تتصرف كأن المكان مكانها. "أحتاج مساعدتك، إلسيان. رجالي طاردوني منذ أيام بعد أن اكتشفوا أنني... لنقل، احتفظت ببعض المعلومات لنفسي بدلاً من تسليمها كاملة لمن يدفع لي."
"وماذا يجعلك تظنين أنني سأساعدك بعد كل ما فعلتِه؟" ردّ إلسيان ببرود قاطع.
"لأنني أعرف أشياء قد تفيدك أنت أيضاً." ردّت بذكاء واضح، عيناها تلمعان بحسابات خفية. "أعرف من هو المستثمر الصامت الحقيقي، إلسيان. أو على الأقل، أعرف جزءاً كبيراً من الطريق المؤدي إليه."
جمد الجميع في أماكنهم مرة أخرى. تبادل إلسيان وكايدن نظرة سريعة مليئة بالحذر والترقب معاً.
"كيف تعرفين عن هذا الاسم أصلاً؟" سأل إلسيان بحدة مشوبة بالشك.
"لأنني، مثلك تماماً، عملت يوماً في تلك المجموعة القديمة التي جمعتنا معاً في برشلونة." قالت صوفيا، نظرة بعيدة تظهر للحظة في عينيها. "مجموعة كان يقودها رجل واحد فقط، بهدوء وحزم كاملين: والد إلينا نفسه."
شهقت إلينا بخفة، تقترب أكثر رغم كل شيء. "والدي؟ كان يقود مجموعة يعمل بها إلسيان أيضاً؟"
نظر إلسيان إليها، ندم واضح يظهر على ملامحه لأنه لم يخبرها بنفسه قبل أن تسمعه من فم غريبة.
"كنت في التاسعة عشرة من عمري، إلينا، بعد مقتل والدي بفترة قصيرة، قبل أن أرث زعامة رافين رسمياً." بدأ يشرح أخيراً بصوت متعب. "احتجت للتدريب، للتوجيه، لشخص يعلمني كيف أنجو في هذا العالم القاسي دون أن أفقد نفسي بالكامل فيه. والدك، دون أن أعرف اسمه الحقيقي وقتها أو صلته بأي شيء آخر، قَبِلني في مجموعته الصغيرة كمتدرب لعدة أشهر فقط، قبل أن أعود لرافين لأتولى الزعامة."
"وهناك التقيت بي." أكملت صوفيا بابتسامة حزينة مصطنعة. "كنا شابين، وكانت علاقة حقيقية من جانبي، أو هكذا ظننت وقتها. لكن حين اكتشف والدك أنني كنت أنقل معلومات عن المجموعة لجهة منافسة صغيرة، أمر بطردي فوراً، وطلب من إلسيان أن يقطع كل صلة بي دون أي تفسير إضافي. لم يخبرني أبداً بالسبب الحقيقي وقتها."
نظرت إلينا إلى إلسيان بحيرة عميقة تختلط بتعاطف غير متوقع. "إذن هذا ما قصدته حين قالت إنها خانتك؟ لم تكن خيانة عاطفية، بل خيانة معلوماتية لمجموعة والدي؟"
"كلاهما في الحقيقة." قال إلسيان بمرارة هادئة. "خانتني عاطفياً حين استخدمت علاقتنا للوصول لمعلومات، وخانت المجموعة حين باعت تلك المعلومات. لم أعرف التفاصيل الكاملة وقتها، فقط أن والدك طلب مني الابتعاد عنها فوراً، ووثقت بحكمه دون تردد."
استدارت إلينا نحو صوفيا مباشرة، نظرة جديدة من الحذر تتشكل في عينيها. "ولماذا تخبريننا كل هذا الآن، بهذه السهولة، بعد كل هذه السنوات؟"
اتسعت ابتسامة صوفيا قليلاً، إعجاباً واضحاً بذكاء إلينا هذه المرة.
"لأنني أحتاج حمايتكم، وهذه أفضل بطاقة أملكها للتفاوض." قالت بصراحة مفاجئة. "أعرف أن دومينيك فيرا، الرجل الذي تبحثون عن أثره، هو نفسه من كان يموّل تلك الجهة المنافسة الصغيرة التي بعتُ لها المعلومات قديماً. كان اسماً يُهمس به بحذر شديد في تلك الأوساط حتى قبل أن يختفي رسمياً."
توقف إلسيان، يفكر بسرعة في كل هذه المعلومات الجديدة المتدفقة فجأة.
"إذن أنتِ تعرفين شكله، أو مكانه الحالي المحتمل؟" سأل بجدية متزايدة.
"أعرف أكثر من ذلك بكثير." ردّت صوفيا بثقة هادئة. "لكن هذا النوع من المعلومات لا يُعطى مجاناً، إلسيان. أحتاج ضمانة حماية حقيقية أولاً، لا مجرد وعود فارغة."
نظر إلسيان إلى كايدن، ثم إلى إلينا أخيراً، صراع واضح يظهر على ملامحه بين الحذر الغريزي من امرأة خانته سابقاً، والحاجة الملحة لأي معلومة قد تقربهم من فك لغز المستثمر الصامت أخيراً.
بعد صمت طويل مشحون بالتفكير، أومأ برأسه ببطء شديد.
"سنحميك طالما أن معلوماتك حقيقية ومفيدة فعلاً." قال أخيراً بحذر بالغ. "لكن عند أول علامة خداع، صوفيا، لن أتردد هذه المرة كما فعلت في الماضي."
ابتسمت صوفيا ابتسامة رضا هادئة، تستقر أكثر في كرسيها كأنها ربحت للتو جولة مهمة من لعبة طويلة.
نظرت إلينا إلى إلسيان بمشاعر متضاربة، تفهم الآن جزءاً من ماضيه المؤلم الذي لم تعرفه من قبل، لكن قلقاً جديداً يتشكل بداخلها من وجود هذه المرأة الجميلة الغامضة بينهم الآن، تحمل أسراراً قد تكون أخطر بكثير مما تظهره على السطح.