الفصل الحادي والأربعون:أقوى من المعتاد رغم الضعف
"لا مكان تهربين إليه." كرر الرجل خطوته الأخيرة نحوها، وابتسامته تزداد اطمئناناً بقرب النهاية.
لكن قبل أن تصل يده إليها، دوّى انفجار هائل من الجهة الغربية للمبنى، هزّ الجدران بعنف جعل الرجال الثلاثة يتراجعون غريزياً، ثم انفجار ثانٍ، أقرب هذه المرة، تبعه صراخ وفوضى تجتاح المكان بأكمله.
"ما هذا؟!" صرخ أحدهم مرتبكاً.
"رافين! إنهم يهاجموننا!"
استغلت إلينا اللحظة دون تفكير، دفعت أقرب رجل بكل ما تبقى من قوتها، فارتطم بالجدار، واندفعت هي نحو الاتجاه المعاكس، تركض بلا نظر إلى الوراء، وسط دخان يتصاعد وصراخ يملأ كل زاوية.
خرجت أخيراً إلى الهواء الطلق، ليل بارد يلسع رئتيها المتعبتين، وواصلت الركض بلا خطة، بلا اتجاه، فقط بعيداً، أبعد ما يمكن عن ذلك المكان الذي كاد يبتلعها.
في مكان آخر من المدينة، كان إلسيان يقود فريقه في اقتحام أحد معاقل فينوم الرئيسية، لكن شيئاً في المشهد أمامه أثار قلقه منذ اللحظة الأولى.
"المكان شبه فارغ." قال بحذر، عيناه تمسحان الممرات الخالية بشك متزايد. "لا مقاومة تُذكر، كأنهم كانوا يعرفون بقدومنا بالضبط."
"ربما فقط سوء حظهم؟" اقترح كايدن، وإن كان صوته يحمل شكاً مماثلاً.
"لا. هذا ليس سوء حظ." توقف إلسيان فجأة أمام غرفة عمليات مهجورة حديثاً، أوراق متناثرة، حاسوب لا يزال يعمل لكن بلا أحد أمامه. "غادروا قبل وصولنا بدقائق قليلة فقط. شخص أخبرهم بموقع هذا الهدف تحديداً."
"تقصد أن هناك خائناً آخر؟" سأل كايدن بصوت منخفض، وقلق واضح يتسلل إلى ملامحه.
"أخشى ذلك." أطبق إلسيان قبضته بقوة. "وهذه المرة، لن أكتفي باستجواب حارس شاب مرتبك. سأجد الفاعل الحقيقي، مهما كلّف الأمر."
في القصر، حيث بقيت الحراسة أقل بكثير بعد أن انقسم معظم الفريق بين معاقل فينوم المتعددة، وقفت سيلين وحيدة تقريباً في الممر الرئيسي، حين سمعت صوت خطى غريبة خلفها.
"من هناك؟" سألت بصوت مرتجف، تستدير بسرعة.
خرج رجل من الظلام، غريب تماماً عن وجوه الحراسة المعتادة، سكين يلمع في يده تحت ضوء القمر المتسلل من النافذة.
"أين إلسيان؟" سألها بصوت بارد.
"لن... لن أخبرك بشيء!" تراجعت سيلين خطوة، قلبها يخفق بذعر تام، بينما بحثت بعينيها يائسة عن أي مخرج أو سلاح قريب.
اقترب الرجل ببطء مخيف، وسيلين تتراجع أكثر حتى اصطدم ظهرها بالجدار، لا مكان آخر للهرب.
"لن يؤذيكِ أحد إن تعاونتِ فقط."
"ابتعد عني!" صرخت بأعلى صوتها، وقبل أن يقترب أكثر، اندفع أحد الحراس المتبقين من زاوية الممر، وانقض على الرجل الغريب بلا تردد، معركة قصيرة عنيفة انتهت بطرح المهاجم أرضاً وتقييده بسرعة.
انهارت سيلين على الأرض، ترتجف بعنف، دموعها تنهمر من الصدمة، بينما حاول الحارس طمأنتها بكلمات متقطعة لم تسمعها بوضوح وسط رنين الخوف في أذنيها.
وفي غرفة الألعاب القديمة، وقف فيكتور أمام الأرضية الخشبية، يزيح آخر لوح متبقٍ بيديه المرتجفتين من الترقب، ليجد أسفله... لا شيء. فراغاً فارغاً تماماً، تراباً قديماً، وأثراً باهتاً يوحي بأن شيئاً كان هناك يوماً، لكنه نُقل منذ زمن بعيد.
"مستحيل." همس بغضب متصاعد، يفتش بيديه بيأس متزايد في التراب. "لا بد أنه هنا! العجوز كان متأكداً!"
دخلت لاندا في تلك اللحظة، لتجده على ركبتيه وسط الغبار، وجهه محمر من الغضب.
"فيكتور؟"
انفجر فيه أخيراً، استدار نحوها بعينين مشتعلتين. "أنتِ من ساعدتها على الهروب، أليس كذلك؟ اعترفي!"
"ماذا؟ لم أفعل شيئاً من هذا القبيل!"
"لا تكذبي عليّ!" صرخ بصوت لم تسمعه منه من قبل بهذه الحدة، اقترب منها بخطوات غاضبة. "الملف اختفى، الفتاة هربت في نفس الليلة بالضبط، وأنتِ الوحيدة التي أظهرت رحمة مفاجئة تجاهها! أخبريني الحقيقة الآن!"
"أنا لم ألمس ذلك الملف، ولم أساعدها على أي شيء! لكن يبدو أنك تبحث عن أي شخص تلقي عليه غضبك بدل أن تواجه حقيقة أن خطتكم بأكملها بدأت تنهار!"
وقف فيكتور صامتاً للحظة، أنفاسه ثقيلة، ثم استدار بعيداً عنها، تاركاً الغرفة في فوضاها، وسؤالاً معلقاً في الهواء لم يُجب عنه أي منهما.
عاد إلسيان إلى القصر قبيل الفجر، منهكاً، جسده يؤلمه في كل مكان، لكن عقله لم يتوقف لحظة عن التفكير فيها، في وجهها، في صوتها، في وعده الذي لم يفِ به بعد.
عند بوابة القصر الخارجية، لمح شيئاً على الأرض، شكلاً صغيراً منكمشاً بالقرب من الجدار الحجري.
توقف قلبه للحظة قبل أن يندفع راكضاً.
"إلينا!"
وجدها ممددة، فاقدة الوعي، حافية القدمين، ثوبها ممزق من الركض الطويل، وخط رفيع من الدم الجاف يمتد من أنفها عبر خدها الشاحب.
حملها بين ذراعيه بحذر شديد، كأنها أثمن ما لمسته يداه يوماً، وركض نحو الداخل، صوته يصرخ طلباً للمساعدة، بينما جسدها الهش يرتجف قليلاً بين ذراعيه، وكأنها، حتى فاقدة للوعي، تعرف أنها أخيراً، بعد كل شيء، عادت إلى مكان آمن.