الفصل الثاني: المجهول الوسيم
استفاق على وقع ألم خافت ينبض في جنبه، وضوء شاحب يتسلل من نافذة صغيرة يرسم على الجدار المقابل ظلال أوراق شجرة تتمايل في الخارج. لم يتعرف على المكان لأول وهلة؛ سقف منخفض، رفوف كتب متراصة بلا نظام واضح، ورائحة خفيفة من القهوة الممزوجة بعبق الورق القديم.
حاول إلسيان أن يتذكر.
الزقاق. المطر. الخطوات التي أصبحت أثقل مع كل متر يقطعه. ثم الألم الحاد الذي شقّ جنبه حين باغته أحد رجال فينوم من الظلام، وصوت كايدن يصرخ اسمه من بعيد قبل أن يبتلعه العتمة تماماً.
وبعدها... وجه.
وجه امرأة شابة، عيناها تحملان ذعراً مكتوماً وحزماً غريباً في آن، تنحني فوقه وسط الزقاق وتهمس له بكلمات لم يعد يتذكرها بوضوح.
نهض ببطء، مستنداً على مرفقه، فشعر بألم حاد يذكّره بأن الجرح ما زال طازجاً. نظر حوله من جديد؛ الغرفة صغيرة، متواضعة، لكنها تحمل دفئاً غريباً لم يعتده في أروقة قصره الواسعة الباردة.
كان قد جاء إلى تلك المنطقة من المدينة بحثاً عن خيط، مجرد خيط، بعد سنوات من البحث المتقطع الذي لم يفضِ إلى شيء. الوريثة المفقودة. ابنة الزعيم الراحل التي اختفت عقب مقتله، ولم يجد أحد لها أثراً منذ ذلك الحين — كأن الأرض ابتلعتها كما ابتلع الليل كل أسرار تلك الليلة الدامية.
لم يكن يعرف لماذا قاده حدسه إلى هذا الحي بالذات، إلى هذا الزقاق الضيق خلف مقهى صغير لا يلفت الانتباه. لكنه تعلّم منذ توليه الزعامة ألا يتجاهل حدسه أبداً؛ فكل معلومة، مهما بدت تافهة، قد تكون الخيط الذي يقوده أخيراً إلى الحقيقة التي يبحث عنها منذ أن أصبح المسؤول عن إرث والدها الغارق في الدماء والصمت.
باغته رجال فينوم قبل أن يصل إلى أي إجابة. أصابوه، وتركوه للموت في الظلام، معتقدين أن الأمر انتهى.
لكنه لم يمت.
بل استفاق هنا، في هذه الغرفة الغريبة، على يد امرأة لا يعرفها.
سمع صوت باب يُفتح برفق، فالتفت بحذر رغم الألم، لتظهر أمامه الفتاة التي أنقذته، حاملة طبقاً صغيراً فيه ضمادات وقارورة كحول.
"أخيراً استفقت،" قالت وهي تقترب بحذر، وكأنها لا تزال غير متأكدة إن كانت اتخذت القرار الصحيح بإدخاله إلى بيتها. "ظننت أنني سأحتاج للاتصال بالطوارئ في أي لحظة."
نظر إليها إلسيان بصمت، عيناه تدرسان ملامحها بدقة لم تخفَ عليها. كان هناك شيء في وجهها — في نظرة عينيها تحديداً — يوقظ فيه إحساساً غامضاً بالألفة، كأنه رأى ذلك الوجه من قبل، في مكان ما، في زمن بعيد لا يستطيع تحديده.
"لماذا فعلتِ ذلك؟" سألها أخيراً، صوته أجش من الإعياء. "كان بإمكانك تركي هناك."
توقفت للحظة، وكأن السؤال أربكها هي نفسها. "لا أعرف... لم أستطع فقط. رأيتك تسقط، ولم يخطر ببالي شيء سوى مساعدتك."
ابتسم بمرارة خفيفة، ابتسامة لم تصل إلى عينيه. لم يكن معتاداً على هذا النوع من الطيبة غير المشروطة؛ في عالمه، كل فعل له ثمن، وكل مساعدة تخفي وراءها مصلحة. لكن شيئاً في صدقها جعله يصدقها، رغم كل ما تعلمه أن يكون حذراً منه.
"اسمي إلسيان،" قال أخيراً، وهو يراقب رد فعلها بحذر شديد، كمن يلقي حجراً في بئر عميق لينتظر صدى سقوطه.
لم يظهر على وجهها أي علامة تعرّف، أي ومضة تشير إلى أنها سمعت هذا الاسم من قبل. فقط ابتسامة صغيرة، بريئة تماماً.
"وأنا إلينا."
ردد الاسم في ذهنه بصمت. إلينا. لم يكن الاسم الذي يبحث عنه، ذلك الاسم الذي حُفر في الوثائق القديمة التي احتفظ بها من إرث والدها. لكن شيئاً في داخله — ذلك الحدس الذي لم يخذله من قبل — كان يهمس له أن الأمر لم ينتهِ بعد، أن هذه المصادفة، إن كانت مصادفة حقاً، ستقوده إلى شيء أعمق بكثير مما يتخيل.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل، شعر إلسيان — رئيس عصابة رافين، الرجل الذي تعلّم ألا يثق بأحد — بفضول حقيقي، لا علاقة له بالثأر أو بالبحث عن وريثة مفقودة.
فضول تجاه هذه الفتاة الغريبة، التي أنقذت حياته دون أن تعرف من يكون، ودون أن تطلب شيئاً في المقابل.