NOVELFLEX

الفصل الثاني والعشرون: رسالة مشفرة

حين يبتلع الليل · بقلم Maria Ait el hocine

الفصل الثاني والعشرون: رسالة مشفرة 

كان الصباح هادئاً في ظاهره، شمس خفيفة تتسلل عبر أشجار الحديقة الواسعة، وطيور تغرد وكأن العالم بأكمله يمر بيوم عادي تماماً. لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلاً.

عند الأسوار الشرقية للقصر، وبعيداً عن أعين أي شخص داخل الأجنحة الرئيسية، دوّى صوت طلقة واحدة، خافتة لكنها حاسمة، تلتها صرخة قصيرة سرعان ما خمدت في صمت مطبق.

سقط أحد الحراس، الذي كان يقوم بدوريته المعتادة، على العشب الرطب، دون أن يمنح أي فرصة للتحذير.

لم تعرف إلينا شيئاً عن هذا الحادث في تلك اللحظة بالذات. كانت جالسة في غرفتها مع سيلين، تتصفحان بعض الكتب التي أحضرتها الخادمة بناءً على طلبها، حين طُرق الباب فجأة بحدة غير معتادة.

دخل أحد الخدم، وجهه شاحب بشكل واضح، حاملاً صندوقاً صغيراً ملفوفاً بورق بني بسيط.

"سيدتي، وصل هذا الطرد للتو،" قال بصوت مرتجف قليلاً. "تُرك عند البوابة الرئيسية، بلا اسم مرسل."

نظرت إلينا إلى الصندوق بحذر، شعور غريب بالتوجس يتسلل إليها فوراً. "من تركه؟"

"لا نعرف، سيدتي. الحارس الذي وجده... لم يستطع تحديد من أوصله."

بمجرد أن غادر الخادم، تبادلت إلينا وسيلين نظرة قلقة.

"هل تعتقدين أنه آمن لفتحه؟" سألت سيلين بحذر.

"لا أعرف." ترددت إلينا للحظة، ثم قررت أخيراً، بيد مرتجفة قليلاً، أن تفك الرباط البسيط حول الصندوق.

بداخله، لم يكن هناك شيء مخيف بالمعنى المباشر — فقط ورقة واحدة مطوية بعناية، مغطاة برموز وأشكال غريبة، مزيج من خطوط متقاطعة وأرقام ورسومات صغيرة لا معنى واضح لها للوهلة الأولى.

"ما هذا؟" همست سيلين، منحنية فوق الورقة بفضول ممزوج بقلق.

"لا أعرف. تبدو... شيفرة من نوع ما."

اقتربت سيلين أكثر، عيناها تتحركان بسرعة فوق الرموز، وتعبير وجهها بدأ يتغير تدريجياً من الحيرة إلى التركيز الشديد.

"إلينا، انتظري." قالت أخيراً، بصوت متحمس رغم كل التوتر المحيط. "أعتقد أنني أفهم جزءاً من هذا."

"ماذا تقصدين؟"

"هذه الرموز..." أشارت سيلين بإصبعها فوق الرسومات الصغيرة. "إنها ليست رموزاً عشوائية. إنها أقرب لنظام تشفير بصري، يعتمد على تراكب الأشكال. أذكر أنني درست شيئاً مشابهاً في أحد مساقات الفنون البصرية."

"هل يمكنك فك تشفيرها؟"

جلست سيلين، وأخرجت قلم رصاص من حقيبتها، وبدأت تعيد رسم الرموز على ورقة منفصلة، تربط بينها بخطوط تخمينية، محاولة فك اللغز المعقد أمامها.

مرت دقائق طويلة من الصمت المشحون، إلينا تراقب بفارغ الصبر، وسيلين غارقة تماماً في تركيزها.

"وجدتها!" أعلنت سيلين أخيراً، بصوت يحمل مزيجاً من الفخر والقلق. "إنها ليست رسالة كاملة، لكن هناك كلمات واضحة يمكن قراءتها."

"ماذا تقول؟"

نظرت سيلين إليها بجدية، قبل أن تقرأ ببطء: "'سيدتي الصغيرة... اقتربي... الحقيقة... تنتظر."

جمد جسد إلينا بالكامل عند سماع تلك الكلمات.

سيدتي الصغيرة.

اللقب نفسه، مرة أخرى، يطاردها من مكان لا تفهمه، يحمل معه ثقلاً يتجاوز كل قدرتها على تفسيره منطقياً.

بدأ صداع حاد مفاجئ يضرب رأسها بقوة غير معتادة، ألم حاد يشقّ جمجمتها وكأن شيئاً بداخلها يحاول الانفتاح بالقوة.

"إلينا؟ ما بكِ؟" سألت سيلين بذعر متصاعد، ملاحظة الشحوب المفاجئ الذي غطى وجه صديقتها.

لم تستطع إلينا الإجابة. كانت صور متناثرة تتدفق فجأة في ذهنها بسرعة محمومة — وجوه ضبابية، أصوات متداخلة، رائحة دخان بعيدة، صوت باب يُغلق بعنف، وذلك اللقب يتردد مراراً وتكراراً كصدى لا يتوقف.

"سيدتي الصغيرة... سيدتي الصغيرة..."

"إلينا!" صرخت سيلين، ممسكة بكتفيها بقوة. "أنتِ تخيفينني! تحدثي معي!"

لكن إلينا لم تعد قادرة على السمع بوضوح. كان العالم من حولها يتماوج، الألم في رأسها يشتد بشكل لا يُحتمل، وقبل أن تستطيع نطق كلمة واحدة، فقدت وعيها تماماً، وسقطت نحو الأرض.

اندفعت سيلين للإمساك بها، صراخها يخترق أروقة القصر بذعر حقيقي. "النجدة! أحد ما، ساعدوني! إلينا فقدت وعيها!"

سمع إلسيان الصراخ من مكتبه القريب، واندفع خارجاً بسرعة لم يعرفها من قبل، قلبه يخفق بعنف وهو يركض عبر الممرات نحو غرفتها.

وصل ليجدها ممددة على الأرض، شاحبة تماماً، بينما كانت سيلين تحاول يائسة إيقاظها.

"ماذا حدث؟!" سأل بصوت حاد، راكعاً بجانبها فوراً، يداه ترتجفان قليلاً وهو يفحص نبضها بحذر شديد.

"لا أعرف!" أجابت سيلين بذعر، دموعها تنهمر دون توقف. "كانت تقرأ رسالة مشفرة وصلت في طرد غريب، ثم فجأة بدأت تتحدث عن شيء غريب، سيدة صغيرة أو ما شابه، وانهارت فجأة!"

نظر إلسيان نحو الورقة المتناثرة على الأرض، والتقطها بيد مرتجفة، عيناه تمسحان الرموز والكلمات المفكوكة بسرعة، ووجهه يتصلب أكثر فأكثر مع كل كلمة يقرأها.

"فينوم،" همس بصوت منخفض مليء بالغضب المكتوم. "لقد وصلوا إلى هذا الحد من الجرأة."

حمل إلسيان إلينا بين ذراعيه بحذر شديد، وجهه يحمل قلقاً عميقاً لم يعد قادراً على إخفائه بالكامل هذه المرة.

"اتصلي بالطبيب فوراً،" أمر أحد الخدم القريبين بحدة، وهو يتجه نحو غرفتها بخطى سريعة. "الآن!"

وبينما كان يحملها، شعر بيدها الباردة ترتجف قليلاً بين ذراعيه، وسمع همسة خافتة تفلت من شفتيها المرتجفتين، بالكاد مسموعة، لكنها كانت كافية لتزيد قلقه عشرة أضعاف.

"أبي... ساعدني..."

توقف إلسيان للحظة، وقلبه يسقط في هوة عميقة من الخوف والإدراك المتزايد.

كانت اللحظة التي طالما خشيها ورغب فيها في آن واحد قد بدأت أخيراً بالاقتراب — لحظة ستكشف الحقيقة كاملة، بغض النظر عن مدى استعداد أي منهما لمواجهتها.

وفي الوقت ذاته، عند الأسوار الشرقية، اكتُشفت جثة الحارس أخيراً، دليل صامت آخر على أن الخطر لم يعد مجرد تهديد بعيد يمكن التخطيط له بهدوء.

بل أصبح، فجأة وبلا رحمة، قريباً بشكل مرعب.