تستعد عائلة عادية لاستقبال فردين جديدين في مستشفى عادية، وقد عرفوا مسبقًا أنهما ذكران وأنهما توأم متطابق. لم يكن هناك أثر لشيئ غير طبيعي ولا علامة على حدث غريب سيحدث فالسماء عادية واليوم كأي يوم، خرج الولدين لهذه الحياة تنتظرهما عائلتهما وأقاربهما، وعندما بدأ في فتح عينيهما تملك الجميع الصمت وعلت على وجوهم ملامح الاستغراب والتفاجؤ، فقد وُلِد توأم بعيون غريبة أحدهما بعيون بيضاء رمادية والآخر بعيون حمراء، وهذا أغرب فعلى الرغم من إختلاف ألوان أعينهما عن الآخرين فهما مختلفان عن بعضهما أيضًا!
توالت الأيام حتى وصلا لسن الخمسة عشرة عامًا ولم يقلل اختلافهما من حب والديهما لهما بل زاده، وعلى الرغم من ذلك لم يعيشا حياة سهلة، فالأخ الأصغر صاحب العيون الرمادية كان منعزلًا عن الناس، ففي بداية حياته اكتشف قدرة عيونه وهي أنه يستطيع أن يشعر بإذا كان أحد يحدق به أو يراقبه أو مجرد أن ينظر إليه بالإضافة إلى استطاعته تحديد مكانه، وأيضًا يستطيع قراءة أفكار الناس من حوله إذا كانوا يفكرون فيه ويستشعر المشاعر السلبية التى يشعرون بها تجاهه ولكن لا يشعر بتلك الإيجابية منها تجاهه، ولذلك عانى منذ صغره بالإضافة إلى تنمر الأطفال سواء بسبب عينيه الغريبتان أو سلوكه الخاضع المذلول والذي يظهره ضعيفًا.
كان يشعر بقليل من الراحة بجانب والديه؛ حيث نادرًا ما يظهر منهم مشاعر سلبية، وأيضًا أخيه الأكبر منه بقليل من الدقائق الذي لم يشعر منه بمشاعر سلبية أبدًا، ولكن كانت قمة راحته في العزلة فلم يحكِ لأحد عن قدرته على الرغم من أن أخاه حكى له عن قدرته ويحكي دائمًا له ما يفعله في يومه وكان الوحيد الذي يدافع عنه في المدرسة حيث كان الأخ الأصغر لا يشتكي للمدرسين حتى، ولكن بالرغم من ذاك كله لم يحكِ لأخيه عن قدرته ولا عن معاناته فهو كان يعاني كثيرًا ما بين تنمر وسبّ من الأطفال وقد يصل أحيانًا للضرب والسرقة منه وتهديده أو يدّعون فعله لأفعال خاطئة ويُعاقب عليها؛ لأنه لا يعرف كيف يدافع عن نفسه ولا يستطيع أن يضع أفكاره غير الموزونة في كلمات، وذلك يحدث عندما يغيب عنه أخوه الأكبر بينما يذهب لإحضار شيئا يأكلوه أو يذهب لمعلم قد استدعاه لغرض ما أو يخرج مع أصدقائه مع رَفْض الأخ الأصغر الخروج معهم أو غير ذلك، فلا يخبر أخاه بأي شئ وإن ظهر عليه آثار ضرب أو بدا الحزن في وجهه؛ لأنه لا يريد من أخيه أن ينشغل به أو يتضرر معه أو يمنعه من عيش حياته طبيعيًا، كما لم يحكِ عن قدرته له؛ لأنه أراد أن يظنه أخوه طبيعيًا؛ كي لا يشعر بالحزن ويضطر للاهتمام به خاصة أن قدرته مؤذية عكس قدرة أخيه الأكبر، وكانت ذلك إرادته النابعة من حبه له.
عندما كان الأخ الأكبر طفلًا لاحظ أن هناك هالة ضبابية حول الأشخاص من حوله وبعض الأشياء الغريبة الأخري، ولا يحصل على رد مناسب عندما يخبر أحد بذلك، بل يُقابَل بنظرة سخرية أو شفقة، وعندما شرح ذلك لأخيه الأصغر لم يُظهر أي ردة فعل، ورد عليه أنه لا يحدث معه مثل هذه الأشياء عندما سأله، ولكن على الأقل أحس الأخ الأكبر بالراحة وهو يتحدث معه، لاحقًا استنتج أنه يرى مشاعر الناس عن طريق لون الهالة الضبابية التي تحيط بهم فمثلًا عندما يكون المرء سعيدًا تظهر هالته باللون الأخضر وعندما يكون غاضبًا تظهر باللون الأحمر وهكذا، هذا جعله يستطيع معرفة المشاعر الحقيقة لمن حوله حتى وإن أخفوها أو أظهروا عكس ذلك، وأحيانا يرى حول الأشخاص المرضى النفسيين هالة غير منتظمة ومبعثرة أو خليط من الهالات في آن واحد، واستطاع أن يفرق بينهم وبين الشخص السوي نفسيًا حتى لو امتلك أكثر من هالة كانت تبدو منتظمة، ويرى هالة على شكل شخص أو أكثر إذا كان من أمامه عنده انفصام في الشخصية أو تعدد شخصيات، أمكنه كل ذلك من فهم ومراعاة الناس، ومع ذلك لم يستطع رؤية هالة تنبعث من أخيه فتوقع أنه ربما لا يمتلك مشاعر أو هذا له علاقة بأنهما توأم مع أن ذلك غير منطقي لكنه تجاهل الموضوع.
على عكس أخيه الأصغر الذي كان يكره عينيه وكان يعبس إذا نظر في المرآة كان يجد عينيه جميلتين وكان دائمًا يحاول فهم قدرته واستخدامها في حياته، عانى في البداية ولكن تقبل عينيه وتكيف مع قدرته، واستطاع مع الوقت أن يستغلها لصالحه، وعرف كيف يرضي الناس وكيف يصلح بينهم وسُمي بحلّال المشاكل، كان يبذل مجهودًا كبيرًا وكثيرًا ما ينهار ولكن ظل يحاول حتى أصبح شخص اجتماعي ومشهور وهذا بفضل قوته، كان يريد دائمًا أن تعود مجهوداته بالفائدة لعائلته سواء بفخر والديه أو حماية أخيه ومساعدته.
في الوقت الحالي عمر الأخوين خمسة عشرة عامًا، وهما الآن في مرحلة الثانوية الجديدة عليهما، لم تتغير نظرة الناس عن الأخ الأصغر وعلى الرغم من قلة التنمر عليه عن ذي قبل لكن الطلاب يبتعدون عنه، ويكثر الكلام عليه ولا يصدقون أنه توأم لأخيه المشهور والمحبوب، ومع ذلك قرر الأخ الأصغر أن يحاول تغيير حياته وأن يكون صداقات، ولكن إحساسه بمشاعر الطلاب السلبية وقراءة أفكارهم المزعجة منعته من الاقتراب منهم وتزداد عقده النفسية أكثر مع العجز الذي يرافقه.
في يوم من الأيام الدراسية جاء الأخ الأكبر مع بنت؛ ليقدمها لأخيه
" هل تصدق يا أخي أني عندي حبيبة؟ "
" .... "
" لِما لا يرد؟ هل فقد النطق؟ "
" آسف...هو فقط مذهول ليس أكثر .. يمكنكِ الذهاب في الوقت الحالي سأتكلم مع أخي قليلًا "
" حسنًا، وداعًا .... "
" ما خطبك؟! لقد أحرجتني أمامها "
" هل أنت متأكد من أنها..مخلصة؟...أقصد ربما تخونك ".
" ما الذي تهذي به؟! هل جننت؟! أنا أحبك يا أخي، لا تجعلني أغضب عليك "
ارتعب الأخ الأصغر من أخيه حيث كانت هذه أول مرة يغضب عليه وكان أثر ذلك كبير عليه بالإضافة إلى أنه ولأول مرة في حياته يشعر بمشاعر سلبية من أخيه ويستطيع قراءة أفكاره حيث كان أخوه يقول في نفسه: " كيف له وهو أعزب ولا يتعامل مع الأشخاص من الأساس حتى يفهمهم أن يحكم عليها بخيانتي بمجرد النظر! ربما كل ما في الأمر أنه يحسدني "
ولأول مرة بالنسبة للأخ الأكبر تتفعل قدرته على أخيه ويرى هالات كثيرة غير منتظمة تنبعث منه وجميعها قامتة ما بين الأسود والرمادي والبنفسجي القامت، لم يستوعب ماذا يحدث ولِما أخوه مريض نفسي بل يتعجب أنه لم ينتحر بسبب كل هذا الأذى النفسي، تركه أخوه الأصغر ورحل باكيًا، بينما ظل واقفًا مصدومًا وأحس أن حياته تنهار لمجرد معرفته بحالة أخيه؛ فأخوه أهم شخص بالنسبة له، ويتساءل في نفسه عن سبب إخفائه مشاعره ولِما لم يحكِ له.
بعد فترة من الوقت هدأ قليلًا واستنتج أنه بما أن أخيه أخفى مشاعره فربما أخفى أشياء أخرى كقدرته مثلًا، لم يعرف كيفية عمل قدرته لاستنتاج خيانة حبيبته ولكن قرر الوثوق في حكم أخيه مؤقتًا حتى يثبت عكس ذلك، ثم ذهب يتتبعها ولكن بلا جدوى، فلم يجد أي دليل.
ذهب إليها في اليوم التالي وقرر أن يستعمل حيلة عليها فأخبرها أنه يعرف أنها تخونه وراقب الهالات التي تحيط بها، ظهرت هالة صدمة خفيفة بينما ظل وجهها كما هو، وسألَت عمّن أخبره فكذب وقال أنه من تخونه معه، فانهارت فجأة بعدما كانت هادئة، واعترفت بسرعة واعتذرت والحزن يملأ وجهها والدموع تنهمر وتطلب مسامحته بل تخبره بأنها ستترك الآخر وتظل معه فقط، ولم تكن تكذب فمشاعرها الظاهرة كانت مطابقة للهالات التي تنبعث منها، ففي النهاية كانت تحبه ولم تكن مجرد تتلاعب به، بينما ظل هو واقفًا مصدومًا لا يرد؛ لأنه لم يثبت من الأساس أنها تخونه وكان يأمل غير ذلك، وكان ما قاله مجرد خدعة لم يتوقع أن يكون ردها هكذا، ولكنها اعترفت وأثبتت كلام أخيه، فانفصل عنها فورًا متجاهلًا بكاءها، وقرر الاعتذار لأخيه.
وصل الأخ الأكبر للمنزل وذهب إلى غرفة أخيه فيجده جالسًا على الأرض يثني ركبتيه ويضم رجليه بذراعيه مطأطئًا رأسه وتسمع صوت بكاء خفيف، جعل هذا المنظر الأخ الأكبر يكره نفسه حيث مازال أخوه يبكي منذ الأمس، ثم اقترب منه وجلس بجانبه فترة حتى توقف عن البكاء ورفع رأسه، ثم اعتذر الأخ الأكبر لأخيه وبدأ يحكي له ماشعر به عندما تركه وما فعله بعد ذلك وأنه كان محقًّا بشأن حبيبته السابقة.
طلب الأخ الأكبر من أخيه أن يحكِ له كل شئ كان يخفيه عنه، وظل صامتًا منصتًا بينما يتحدث الأخ الأصغر، وبعدما أنهي كلامه خاضوا محادثة خفيفة
" آسف يا أخي، لم أكن أعرف كل هذا حقًا ، وأنا من ظننتني أكثر الناس معاناة..لكن لا مشكلة سأعوضك عن كل هذا..مازالنا في بداية حياتنا "
" كل ما..كان يهمني...يا أخي هي س..سعادتك..لم أرد أن أثقل كاهلك..بالاعتناء الشديد بي "
" لا تكن أحمقًا..نحن توأم متطابق فيمكن اعتبارنا شخصًا واحدًا، ولا نعلم سبب كوننا الوحيدين من يمتلك هذه العيون، ولكن لا يهم سواء كنا ملعونين أو مميزين، يجب أن نعيش حياة عادية كباقي البشر "
أومأ الأخ الأصغر برأسه موافقًا، ثم أكمل أخوه
" لقد استنتجت شيئًا أثناء كلامك مع تذكر الموقف المؤذي في المدرسة وهو أن قدرتنا لم تتفعل على بعضنا منذ ولادتنا ربما بسبب أننا لم نتشاجر أو أننا كنا متفقين ومنسجمين، بالتفكير في هذا أشعرني بالسعادة، فنحن لم نختلف منذ خمسة عشرة عامًا بل سنتخطى ما حدث ونعمل على انسجامنا لبقية حياتنا "
جعل هذا الكلام الأخ الأصغر يبتسم وأضاف
" أيضًا هذا معناه..أننا سنعرف ما إذا كنا مختلفين وإن لم نتشاجر..وسهل أن نتصالح مع معرفة مشاعرنا الحقيقية...هذا مريح إلى حد ما فعندما أتعب من قدرتي سألجأ إليك، وما دمنا منسجمين فلن تتفعل هذه القدرة المزعجة "
" نقطة جيدة " ربّت على رأس أخيه الصغير وهو مبتسم، ثم أكمل : " دعنا نعد بعضنا وعدًا يظل معنا للأبد، اتفقنا ؟ "
" حسنًا، ما هو ؟ "
" أن نساعد بعضنا لعيش حياة طبيعية ونتقبل قدراتنا التي وُهبَت لنا "
" موافق "
انتهى حديثهما وهما سعيدان ، وازدادت علاقة الأخوة بينهما قوة ومتانة ، فيكون كل منهما سندًا للآخر .
ظل الأخوان يحاولان عيش حياة طبيعية، ووضعا لأنفسهما أهدافًا، وبدأ الأخ الأصغر يخرج من قوقعته وأصبح يتسلى مع أخيه وأصدقائه بل وبدأ في تكوين أصدقاء وإن كان قد وجد صديق واحد فقط، وكان هدف الأخ الأكبر الدراسة بجد حتى يصبح عالمًا ويكتشف سر عيونهما، وكان طريقهما يمتلئ بالنجاح والفشل على حد سواء، وبعد فترة زمنية طويلة استطاعوا تحقيق بعض أهدافهم، وتعرّف كل منهما في الجامعة على شريكة حياته، وتزوجوا وبنيا أسرة صغيرة لكل منهما يبذلان أقصى جهدهما لإسعادهم ، وفي النهاية عاشوا حياة عادية، ليست سعيدة دائمًا ومثالية، ولكن فقط حياة عادية.
النهاية...