NOVELFLEX

المتعة تدمر كل شيء

حكايات قصيرة · بقلم مريم آيت ابا حمو

*المتعة قد تكسر الخواطر *

عادةً الإنسان حين يكون في أوقات ممتعة وسعيدة، ينسى كل همومه ودنياه وما فيها، ويستمتع بكل حرية وسعادة، وهذا الأمر طبيعي، لكنه قد يكون مزعجًا أيضًا. وأنا من الأشخاص التي تزعجهم هذه المتعة، بل كنت أكره هذه السعادة وهذه الأشياء الممتعة التي يقوم بها أي إنسان طبيعي، التي تجعله أمامي وحده متكبرًا وأنانيًا، لأني لا أستطيع أن أفعل مثله أو أفعل ما أريده مثله بكل حرية وسعادة. قد أكون كنت أنانية حينها، لكن أنا فقط كنت أريد أن أستمتع معهم ويعطوني قليلًا من أوقاتهم، لكنهم كانوا يتباهون بكل حرية أمامي وافتخار ولا يعطوني القليل من وقتهم، وهذه أشياء كانت تشعرني بالوحدة والغيرة والنقص وغيرها، ولا زلت أشعر بهذه الأشياء التي قد تجعلني فتاة أنانية وغيورة، لكن الحمد لله بدأت أقوم ببعض الأمور الممتعة كأي إنسان طبيعي، لكن لا زلت أنزعج حين يتمتعون ولا يبالون لي.

في العائلة توجد طفلة صغيرة أكثر مني اختلافًا (لا أحب قول إعاقة) وأتمنى لها شفاءً عاجلاً. هذه الطفلة لا تلعب بسبب ظروفها الصحية، وتضرب أي أحد آخر أو تعضه، تبقى بجانب أمها حمايةً للآخرين، وإن مر بجانبها طفل تجره أو تضربه أو تعضه. إنها ليست مجنونة، بل إنها تفرغ غضبها وغيرتها، وبالتأكيد لا أحد يفهم هذا. كان يعجبني تصرفها هذا قليلاً لأنه كان يدل على قوة، بينما أنا حين كنت أشعر بما تشعر به كنت أبكي، لكنها لا تضربني ولا تعضني ولا تجرني، ولدي أخ مثلها، إن رآني أتى إليّ وجلس بجانبي، أما هي فلا تكلم أحدًا سوى أمها وأنا.

لكن في يوم من الأيام كنت في حفل زفاف ما، وكنت في غاية السعادة كأي إنسان يستمتع بهذه المناسبة السعيدة، نسيت العالم كله ووقفت أرقص وأغني بسعادة وبكل حرية، وتلك الطفلة كانت أمامي ولم أبالِ، كانت تجرني وتجر من يرقص معي وأنا لم أفهم، بل استمررت بالرقص وهي استمرت بجري حتى أغضبتني وأغضبت أمها وسحبتها إلى الخارج. حين انتهى هذا الوقت الممتع، جاءت وجلست بجانبي كعادتها، لكن هذه المرة ضربتني (قرصتني)، قلت: ما بك؟ لم ترد وبقينا على هذه الحال حتى نفد صبري، كنت أحاول أن أكلمها كما كانت تكلمني قليلاً لكن بلا جدوى، تقوم بضربي وتذهب. وصل وضعنا هذا إلى أن أصبحت أمها تضربها بسبب ذلك أو بسببي وتقول لها: إنها مريم، مريم، لماذا تضربينها.

في يوم من تلك الأيام جلست بجانبي وضربتني، أمسكت بها وقلت لها: ما بك؟ لماذا تجرينني وتضربينني؟ هل فعلت لك شيئًا؟ لا ترد عليّ، وشعرت بالذنب ولا أدري لماذا شعرت بذلك، بدأت الدموع تتجمع حول عيني وقلت لها: هل فعلت شيئًا لك بدون قصد؟ أو قلت لك شيئًا؟ ماذا فعلت لك؟ هل فعلت لك شيئًا سيئًا ولا أعرف؟ لم ترد وبقيت حائرة حيال ذلك ومنزعجة جدًا، هل فعلت لها شيئًا سيئًا ولا أدري.

مرت أيام وعدت إلى المنزل ورأيت شخصًا يفعل شيئًا أردت فعله أيضًا، لكني لا أستطيع، شعرت بالأحاسيس التي أشعر بها في هذه الأمور، وفجأة كأنه همس في أذني أحد ما قائلاً: هل أنت حقًا من تسألين تلك الأسئلة لتلك الطفلة؟ انصدمت وقلت: ماذا؟ ماذا حدث؟ ماذا فعلت؟ إني أشعر بما تشعر به تلك الفتاة، إني أشعر بذلك الشعور الذي لا أريد أن يشعر به أحد ممن هو في عالمي، ماذا فعلت؟ كان عليّ أن أجرها كي ترقص معي كما كانت تجرني، أو أن أجلس من أجل خاطرها الحساس، ماذا فعلت؟ لم أقصد فعل ذلك والله لم أقصد. بدأت الدموع تتساقط من دون أن أدري، أشعر بذنب يؤلم ضميري كأني قمت بجريمة ما، لكني كنت أستمتع فقط، كنت سعيدة فقط، حتى أني نسيت نفسي أني مختلفة عنهم رغم اختلافي البسيط، لكن لم يكن عليّ فعل ذلك، كان عليّ أن أفعل ما كنت أريد أن يفعلونه لي في متعتهم وسعادتهم، أن يمنحوني وقتًا، أن لا يفعلوا ما يفعلونه أمامي، أو أفعل ما أفعله أنا.

هل ستسامحني؟ ربما تسامح لكن لا تنسى، لأن هذا صعب على النسيان، ولأني أول مرة أكسر خاطرها وأجرحها، أول مرة أفعل ما يفعله الآخرون بها، كيف لم أبالِ لها يا إلهي؟ سامحيني لم أقصد، كنت سعيدة فقط، سعيدة، السعادة التي لا أحبها حين يسعد بها الآخرون، لكني سأنتبه هذه المرة لكي لا أجرح أحدًا، أن لا أكون أنانية أمام الجميع، فلقد تعلمت أن الإنسان الطبيعي لا يتحكم في نفسه في الوقت الممتع حتى لو كان طيبًا، ربما هذا جعلني أنسى القليل من كسوري، أو سيساعدني قليلاً على تحمل متعتهم وغضبي وغيرتي وشعوري بالنقص، لكني لا أريد إعادة ما فعلته، ولازلت أتمنى من الآخر أن ينتبه خلال متعته ولو قليلاً وإعطائنا القليل من وقته، وأتمنى أن تسامحني، فإني أشعر بك وغضبت من نفسي كما غضبت مني، وأتمنى لك الشفاء العاجل لك ولمن مثلنا، سيأتي يوم متعتك أيضًا إن شاء الله وسوف تستمتعين حتى تشبعين وتفعلين ما تريدينه.

ومن واجبك الإنساني أن تتحكم في نفسك وفي ما تفعله أمام الآخرين وإعطائهم قليلاً من وقتك.. ولك أجر إن شاء الله.

*المتعة تدمر كل شيء بالنسبة لي.*