NOVELFLEX

دعاء _الإسم الذي تصالحت معه

حكايات قصيرة · بقلم مريم آيت ابا حمو

وأخيراً بدأت الدراسة، بعد انتهاء تسجيل الأطفال وتوقف بكائهم، وبعد أن هدأت شكواي قليلاً. أصبح لدي بعض الصديقات، لكن ليس لحد كبير، فقط أستطيع الجلوس معهن ومبادلة الحديث.

إلى أن أتت زميلة جديدة في القسم، قد تم تسجيلها في المدرسة متأخراً لسبب ما. ومنذ دخولها للقسم وهي تبكي، وأنا أراقب بكاءها كما راقبت بكاء الآخرين في البداية، متسائلة: لماذا كل هذا البكاء؟ وأنا أريد البكاء من أجل الجلوس هنا!

أتذكر أنها بكت كثيراً في كل يوم من تلك الأيام الأولى مثل الجميع، لكن حين هدأت أخيراً بعد محاولات كثيرة من معلمتي، بدأت بتخريب السلام الذي كنت قد عثرت عليه بعد صبر طويل من التنمر وإزعاجهم لي.

كانت تثير غضبي وتتنمر عليّ، وتهمس في أذن من يجلس معي بشيء لكي يبتعد عني ولا يجلس معي. أما أنا فكنت أحزن وأشكو ذلك لأمي، وأمي تأتي لتشتكي للمعلمة، والمعلمة تحاول حل هذه المسألة برفق، أن تجعلنا أصدقاء، حتى إننا نحاول فعل ذلك حين تهدأ العاصفة التي بيننا.

وكانت هناك مشكلة أخرى بيننا، أنها مجتهدة أيضاً وتدرس جيداً، لذا أصبحت منافستي أكثر من كونها مشكلتي الوحيدة داخل المدرسة كلها. أحياناً نصبح كالقط والفأر، نعم، شجار وراءه شكوى مني كالعادة.

حتى التقت أمي بوالدتها ذات مرة في السوق، وعادت أمي للبيت وأخبرتني أن تلك الفتاة التي أشتكي منها والدتها كانت جارتنا، وأنها مريضة أيضاً، بل مريضة بالخوف. وحين عرفت بالأمر قلت لنفسي: إذاً كلنا جيران من قبل أن نأتي، فيجب عليّ أن أهدأ قليلاً. أما بالنسبة لمرضها، طالما أنها مريضة وتخاف، فلما تصدر كل هذه الفوضى؟ حسناً، سأحاول أن أصلح الأمور بيني وبينها وأن أكون صديقة لها.

وهنا بدأت الحكاية التي جعلتني أكره اسمها سنوات طويلة رغم جماله العظيم... دعاء.

عندما كنت أحاول إصلاح الأمور بيننا، كانت تزداد تعقيداً بتصرفاتها وإزعاجها لي، وفي كل مرة تغضبني أكثر. مثلاً، حين نكون صديقتين في وقت ما وأرادت مني شيئاً فأعطيها، وحين يأتي دوري فلا تعطيني شيئاً، مثل قلم أو ألوان أو شيء مثير للانتباه وجديد، حتى في الاستراحة، تريد مني أن أعطيها القليل من استراحتي، وإن طلبت منها قليلاً لأتذوقه أيضاً فلا ترضى أن تعطيني شيئاً.

لذا بدت لي طوال العام فتاة مغرورة وتحب نفسها، حتى أنها حرضت الفتيات عليّ، حتى لم تعد أي فتاة تجلس معي ولا أن تلعب معي في الاستراحة. كلما رأت فتاة ما تتحدث معي، جاءت وسحبتها بيدها معها بعيداً.

لم أعد أخبر أمي بشيء لأنني تعبت من ذلك وكنت أحاول تجاهلها كثيراً، لكنها كانت تستفزني في كل مرة، وأيضاً كرهتها وكرهت اسمها.

وفي أواخر الأيام المدرسية، في وقت الاستراحة في ساحة المدرسة، جلست أتناول استراحتي في الدرج وكانت معي فتاة نتحدث ونتبادل الاستراحة معاً، فإذا هي تلعب وتجري، انتبهت لي وجاءت أمامي وجلست وقالت: هاتِ القليل. قلت: لن أعطيكِ، هل تعطينني أنتِ حين أطلب منك شيئاً؟ غضبت ورمت محفظتي في الأرض وضربت قدمي وهربت مسرعة.

صُدمت بتصرفها وأغضبني ذلك بشدة، لكنني كنت هادئة لأنني كنت جائعة، فقلت للفتاة التي تجلس بجانبي: أرأيتِ ما فعلته؟ قالت نعم برأسها. تناولت طعامي بهدوء وقلت للفتاة أن تمسك محفظتي، ووقفت أنظر مرورها بجانبي. وحين مرت، مرت كالحصان يجري وذيله يتبعه، كانت تجري وضفيرة شعرها وراءها. أمسكت شعرها وسحبتها للحائط وبدأت أضربها وهي أيضاً، والأطفال يهتفون باسمي. صحيح أن علاقتي مع الفتيات كانت سيئة لكن علاقتي مع الصبية كانت جيدة.

بدأ أحد الأولاد يهتف باسمها: دعاء دعاء. نظرت إليه بغضب وقلب اسمي باسمها. حاولوا تفريقنا، الأطفال لكن أنا أضرب وهي تضرب، أنا أجر وهي تجر، المهم لم يتوقف هذا الشجار حتى رن جرس الاستراحة. دخلنا للقسم وبدأنا بالمعركة، الشجار بالعيون والفم، وأخيراً حان وقت الخروج والعودة إلى المنزل. خرجنا جميعاً بهدوء على أساس أن هذا الشجار انتهى في القسم، فإذا أنا في طريقي إلى البيت، سحبتني ودفعتني على باب أحد البيوت كان مفتوحاً، كدت أسقط لكني تمسكت بالحائط وتمزق حذائي وهربت مجدداً.

اعتراني غضب شديد وأقسمت بأنني هذه المرة سأخبر أمي، على أساس أنني لم أخبرها بشيء، ها ها ها.

وصلت للبيت وأنا أمسك بحذائي الممزق: ماذا حدث؟ ضربتني دعاء ودفعتني على الباب وكدت أسقط على رأسي وتمزق حذائي. صرخت بهذا الكلام طوال الوقت وأمي تقول لي: سأذهب لوالدتها غداً وسأريهم. لم يهدأ غضبي قط في ذلك اليوم، فلقد تمزق حذائي الجديد صاحب الوردة الجميلة في جانبه.

ذهبت أمي في صباح اليوم الآخر وعادت، نظرت إليّ بنظرة إحراج وقالت: والدتها هي من يجب أن تأتي إليّ وليس أنا من يجب أن أشتكي إليها. قلت: لماذا؟ قالت: أتسألينني لماذا؟ إن وجهها كله كدمات وجروح وأنتِ لا جرح بك، حتى رأسك لم ينتفخ، حذاؤك فقط من تأذى. قلت: حقاً؟ قالت لي: نعم رغم ذلك فإنها تعتذر مني.

قالت إحدى أخواتي: أخبرينا التفاصيل. قالت أمي: وصلت للبيت ودققت الباب وخرجت الأم وبدأت بالسلام، ثم أخبرتها أن ابنتها ضربت ابنتي ودفعتها على الحائط ومزقت الحذاء وأتت حافية القدم للبيت، فنادت ابنتها وقالت انظري، لم أعد أعرف أين أضع وجهي بسبب ما رأته، ثم اعتذرنا لبعضنا البعض وعدت.

ضحكت أختي الأخرى قائلة: يجب الخوف منكِ. قلت: حقاً هل تفوقت عليها إذاً؟ صُدم الجميع وتساءلوا لماذا هذه الفرحة؟ قلت: لأنني أغضبتها أيضاً، أتذكر أنني ضربتها أيضاً في الساحة ولكن لم أكن أعلم أنني ضربتها إلى هذا الحد. المهم أنني هزمتها حقاً. فنظر إليّ الجميع باستغراب. قلت: أنا لم أفعل شيئاً، ما فعلته سوى أنني فرغت ما صبرت عليه طوال العام.

على العموم هي تفوقت عليّ، أهنئها على المرتبة الأولى في الأولى إعدادي. بالإضافة إلى هذه الحكاية، في العام الثاني لم تكن في المدرسة، لقد انتقلت إلى مدرسة أخرى، تخلصت منها هاهاها، لكن بالطبع قابلت من هم أسوأ منها.

الشيء الذي يعجبني في هذه الحكاية هو أنني أستطيع الدفاع عن نفسي مهما حدث، وأن لا أشتكي كثيراً. أما بالنسبة لدعاء فلقد كانت آخر مشاجرة ولقاء بيننا في المدرسة. التقيت بها ذلك اليوم مع والدي وكان معها والدها وتبادلنا السلام، ابتسمت لها وفرحت كثيراً لأنها بدت لي خائفة مني ها ها ها فلتخف أيضاً فإنها أزعجتني وأغضبتني بما يكفي.

على العموم سعيدة بمشاركتك في حكايتي ولا تقلقي، لم أعد أكرهك منذ ذلك اليوم، أما اسمك فقد كرهته لسنوات لكن الآن تصالحت معه كما تصالحت مع باقي الذكريات.