NOVELFLEX

رسائل من حافة الجنون

الليالي السوداء · بقلم غيات

الساعة الثانية بعد منتصف الليل

أحب الليل، لأنه لا يسأل.

لا يسألني لماذا لم أنم بعد.

لا يطلب مني أن أبتسم.

لا يطالبني بتبرير سكوتي.

أقول "أنا بخير" والليل لا يكذبني، أما النهار فيفضحني.

في الصباح، ألبس وجها يعجب الناس.

وفي الليل، أنزعه.

وأحيانا أخاف كثيرا من الوجه الذي أجده تحته.

---

كره المرايا

أكره الوقوف أمام المرآة.

ليس لأنها تكشف وجهي، بل لأنها تكذب علي.

تصر أن تقول لي أن هذا الذي أمامي هو أنا.

أظل أحدق طويلا، في عيني، في تعبي، في ملامحي التي لا تتحرك.

وأسأل: متى أصبحت لا أعرف هذا الوجه؟

ربما أنا لم أتغير.

ربما أنا فقط نسيت كيف أتذكر نفسي.

---

لا أعرف متى فقدت ثقتي بعقلي

لا أتذكر اللحظة التي بدأ فيها كل شيء ينهار.

في البداية، كنت لا أثق في الناس.

ثم أصبحت لا أثق في نواياهم.

ثم في وعودهم.

إلى أن استيقظت يوما وأنا لا أثق في نفسي.

أحيانا أجلس وأسألني:

هل أنا أرى العالم كما هو؟

أم أن عقلي يخترع عالما آخر لا يراه غيري؟

المرعب ليس أن تجن.

المرعب هو أن لا تعرف أبدا هل أنت جننت فعلا أم لا.

---

لا أثق كثيرا بالهدوء

أنا لا أطمئن للهدوء أبدا.

كلما سكت كل شيء من حولي، بدأ كل شيء يصرخ بداخلي.

أجلس هادئا، أنظر للسقف، أبدو طبيعيا جدا للناس.

ولا أحد يعلم أن في رأسي الآن ألف حرب، وألف سيناريو، وألف نهاية للعالم.

المضحك أنهم يقولون عني: "إنه هادئ".

ولا أحد يتخيل كم من الضوضاء يحتاجها الإنسان ليبدو هادئا بهذا الشكل.

---

احسبوني مجنونا

وجدت ورقة في ممر المصحة، يبدو أن أحدا أسقطها وهو يهرب، كان خطها يرتجف:

"لا تقولوا عني مجنون، أنا فقط تأخر شفائي.

قالوا لي انس، فحاولت.

قالوا لي تجاوز، فمثلت أنني تجاوزت.

لكن لم يقل لي أحد كيف أنزع إنسانا عاش في صدري لسنوات.

أنا لست مريضا بسببكم، أنا مريض بكم.

جئت إلى هنا لأن العالم في الخارج لا يعتبر كسر القلب مرضا.

يظنون أن الاعتذار يكفي ليلتئم القلب.

دوائي ليس قرصا قبل النوم.

دوائي أن يتذكر أحد ما قلته له أمس، أن يفهمني وأنا أتلعثم لأني لا أعرف كيف أقول ما يؤلمني.

وإذا وجدتم هذه الورقة، لا ترجعوها لي.. دعوها تضيع، مثلي."

---

أخاف أن أشفى

"عزيزي الطبيب،

أعرف أنك قرأت رسالتي الأولى.

شكرا لأنك لم ترجعها لي.

أريد أن أعترف لك بشيء لم أكتبه البارحة.

أنا لا أخاف من الجنون، أنا أخاف أن أصبح بخير.

لو شفيت، سأنسى صوتها. سأنسى ضحكتها وهي تكذب علي، وكيف كنت أصدقها وأنا أعلم أنها تكذب.

لو شفيت، سأرجع للعالم، والعالم يطلب مني أن أكون قويا دائما، وأنا تعبت من أن أكون قويا.

هنا على الأقل، يحق لي أن أبكي دون أن يسألني أحد: لماذا تبكي وأنت رجل؟

هنا حزني له غرفة، وله اسم، وله دواء.

أما في الخارج، فكان حزني يسمونه "دراما" ويضحكون عليه.

لا تعالجني بسرعة يا دكتور، اتركني مريضا قليلا، فهذا المرض هو آخر شيء بقي لي منها."

---

ليلة الهروب

"يا دكتورة، قلت لك أن الدواء لا يعالج كل الأوجاع.

هناك أوجاع لا يعرف أحد من أين تأتي، ولا دواء يوقفها.

قلت لك أن هذا الثقل في صدري لا علاج له، مثل صداع رأسي تماما.

حاولت كثيرا، حتى انتهت كل الطرق وانتهى صبري.

تعبت من نظرات الناس لي: "انظروا، لقد جن بسبب الحب".

مهما شرحت، لا أحد سيفهمني، حتى أنت.

قلت لي "أنا أفهمك" لكنك كنت فقط تسايرينني حتى لا أغضب، أنت مثلهم.

أنتم جميعا تريدونني أن أعود كما كنت، لو كنت أعرف كيف يعود الإنسان لنفسه القديمة لعدت منذ سبع سنوات.

كنت أنت أملي الأخير عندما قلت أنك ستبقين معي حتى يفهمني الجميع، لكنك خيبتي ظني مثل الجميع.

أنا الآن في مكان بعيد، لا أعرفه، مكان بلا ذكريات، بلا أي شيء يزيد من نزيف قلبي.

أمنيتي الوحيدة الآن أن أنسى كل شيء..."