تخُرج الحياةُ كثيرًا عمّا نتوقّعه، لكنّ ما يخرجُ حقًا عن مساره ليس هي...بل عقولُنا.
فنحن نُسارع إلى تأويل كلّ ما يحدث، ونمنح الصدفةَ معنًى يتجاوزها.
مع أنّنا لو أمعنّا النظر لحظةً، لأدركنا أنّ العوامل الكونيّة لا تُعنى بشؤوننا البشريّة كما نتوهّم.
فكم من إنسانٍ يلعن الحياةَ لأنّه تعثّر في طينٍ خلّفته الأمطار، ولا يلتفت إلى تقصيره حين سار عليه وهو أمام ناظريه.
وكم من آخرَ يعثر على نبتة برسيمٍ رباعيّة الأوراق في حديقةٍ عامّة، فيقسم أنّ الحظّ قد ابتسم له، وأنّ طرق الحظ قد فُتحت له أبوابًا، مع أنّها ليست سوى طفرةٍ جينيّةٍ عابرة غيّرت عدد أوراقها، لا أكثر.
وغيرهم من يرى المطرَ ينهل في يومِ فراقٍ، فيحسب أنّ السماء تشاركه حزنَه، وأنّ الكون يبكي لأجل أحبابه كما يفعل هو، مع أنّه مجرّد تبدّلٍ في أحوال الطقس، لا استجابةً لمشاعرِ بشريه.
حتى وإن مضى عقلُها في ذلك السبيل من التفكير، فإنّها تظلّ بشرًا، تُفكّر كما يفكّر سائرُ البشر؛ فنحن مهما تباينت صورُنا وألوانُنا وأفكارُنا، نلتقي في جوهرٍ واحد، وننتهي إلى نقطةٍ تتقاطع عندها مشاعرُنا وتتفق.
تُطلُّ من نافذة السيارة، وعيناها معلّقتان بإنهمار المطر الغزير. مضى شهران على الحادثة، ومع ذلك، كلّما رأت المطر، غامرها إحساسٌ صادق بأنّ السماء حزينة على والديها؛ على حالهما الذي أثقله عناءُ العمل وهدّه المرض في أيامهما الأخيرة.
فتخيّلت أنّ السماء رقّت لهما، فأغرقت ليلتهما بالبكاء، كأنّها أرادت أن تُنهي تعبهما وتمنحهما راحةً افتقداها طويلًا. غير أنّ الرحيل لم يكن وديعًا، فاشتدّ بكاؤها، تأثّرًا بأرواحٍ نقيّةٍ ذاقت قسوة الحياة، ثم ارتقت في نهايتها؛ حتى بدا الصباحُ الذي تلا ذلك أكثر إشراقًا، كأنّ في الأفق رضًا خفيًّا عن سكون تلك الأرواح.
ومع ذلك، لم يكن ذلك اليومُ يومَ نسيان؛ إذ أنّ السماء لم تُرِد لهما أن يمضيا فيغمرهما الغياب، فاحتفظت بشيءٍ منهما في الأرض، أثرًا رقيقًا يبقى في ذاكرة الأحياء، فلا تنطفئ حكايتُهما مع الزمن.
"آريا حُلوتي، بعض المقبلات لن تضر"
أردفت السيده التي تجلس في المقعد الأمامي وهي تمد لها علبه بلاستيكيه تحتوي على البطاطس المقليه مع الذره المشوي وساندوتيشات دجاج مُتبل.
لتبتسم لها من تجلس في الخلف وتهز رأسها بالنفي.
"أشكرك عمتي حقًا ولكنني لستُ جائعه"
تنهدت السيده وأخذت ترجع يدها الممسكه بالعلبه لحجرها وهي تنظر لزوجها بشفقه على حال الصغيره في الخلف ليبادلها نفس النظرات قبل أن يرجع نظراته للطريق.
بعد حوالي ساعه إلا ربع وصلوا لمنزل ابنة عم والدها-السيده التي في البدايه- لأنها ستقتن معها بسبب وفاة والديها ولأن أيضًا عمها الأكبر وخالها لم يوافقوا أن يتكلفوا بمسئوليتها.
خرجت من السياره ببطء وهي تمعن النظر بما حولها، فطابع المدينه يعطي أجواء الريف، بحيث منازلها والشوارع والمزارع والحيوانات وحتى الناس في إزيائهم يعطوا طابع الريف والريفين.
وجهت أنظراها لمنزل ابنة عم والدها لترى أن منزلها يختلف تمامًا عن المنازل الآخرى التي تقع في باقي المدينه.
منزل حجريّ واسع يتوسّط مرجًا أخضر مترامي الأطراف، تحيط به الجبال المكسوّة بالأشجار من الخلف وكأنها تحرس عزلته الهادئة.
واجهة المنزل تجمع بين الفخامة والبساطة؛ جدرانٌ من الحجر الرمادي، نوافذ طويلة بإطارات بيضاء، وسقف داكن تتصاعد منه عدّة مداخنٍ حجريّة تضيف إليه طابعًا أرستقراطيًا دافئًا.
يمتد أمامه عشبٌ مشذّب بعناية، تقف فوقه خيولٌ هادئة ترعى تحت ضوء الشمس الذهبي.
أما الأشجار الضخمة التي تظلّل المكان والمقعد الخشبي المنفرد في المقدّمة، فيمنحان المنزل شعورًا بالسكون والعزلة المريحة، كأن هذا المنزل ملاذٌ بعيد عن صخب العالم، لا يُسمع فيه سوى الريح وحفيف الأوراق.
مع أن ملامح وجهها كانت هادئه إلا أن في داخلها كنت منبره بشده من جمال المنزل، بل القصر فكلمة منزل قليله في حقه من فخامته.
ما قاطع ذهولها الداخلي اليد الذي وضعت على كتفها.
"هذا هو منزلنا عزيزتي أتمنى أنه نال إعجابك"
أردفت بلطف وحنان مفرط وهي تربت على كتفها بحنان لتبتسم هي وتومأ.
"المنزل قمة في الرقي والفخامه يناسب ذوقكم الراقي تمامًا عمتي"
أبتسمت العمه على كلمات الأصغر سنًا المهذبه وتبدأ بدفعها وهي تتحدث بحماس عن كم ستستمع كثيرًا في العيش هنا فأجواء الريف تختلف تماما عن أجواء المدينه، أقل صخبًا ولكن أكثر مرحًا.
عندما دخلت المنزل أول ما قابل نظريها هي تلك الفتاه التي تجلس على الأريكه تشاهد فيلمًا رومانسيًا.
"ليورا! كم مره أخبرتك أن تتركي ذاك الفليم السخيف وتذاكرين في وقت فراغك!"
أردفت العمه بتوبيخ لأبنتها التي تضيع وقتها لتقلب الفتاه عينيها وكانت سترد بوقاحه لولا أنها أنتبهت للفتاه الغريبه التي تقف بجانب أمها.
"من هذه الغزاله؟"
أشارت ليورا بأصبعها على آريا لتتنهد أمها من تعليقها السخيف خوفًا من أن تتضايق آريا من تعليقات أبنتها الغريبه.
"تحدثي بأدب لضيفتنا!"
أردفت الأم بحنق لترفع ليورا يديها بإستسلام.
"مهلًا مهلًا لا أقصد شيء! عيونها مثل عيون الغزال! هذا مدح يا أمي!"
أردفت ليورا تحاول شرح ما تقصده لكن أمها كانت مازالت غير مقتنعه وكانت ستستمر في توبيخ ليورا لولا تدخل آريا.
"لا بأس عمتي، أنا أتفهم ما تقوله دائما ما يأتي هذا التعليق على عيوني فهذا جميل وليس سيء، أشكرك على مدحي"
أردفت جملتها الأخيره بهدوء قاصده بها ليورا وهي تحني رأسها قليلا بشكر.
تعجبت ليورا من قول آريا كلمة'عمتي' وكانت ستباشر السؤال ولكن أمها تحدثت فجاه وكأنها تقرا أفكارها.
"هذه أبنة أبن عمي، ستعيش معنا من الأن وصعادًا هي تعتبر ابنة عمك بل أختك لذا عامليها جيدًا وإياكي أنت تضايقها بكلماتك السخيفه حسنًا ليورا؟"
أردفت العمه بصرامه لتقلب ليورا عينيها بسبب قلق أمها على الضيفه الجديده بشده ولكنها أومأت وهي تتقدم منهم لكي تسلم على قريبتها.
عندما أقتربت منها حضنتها بقوه وهي تربت على ظهرها، لتتعجب آريا من ذلك فهي ليست معتاده على هذا القرب من أشخاص غريبين، وليس هناك غريبين يعانقون أحد بهذه الحميميه ولكنها في النهايه بادلتها العناق لكي لا تكون غير مهذبه.
بعد لحظات فصلت ليورا العناق ونظرت لآريا بتمعن.
"أنا ليورا وأنتِ؟"
"أنا يون آريا"
أردفت آريا بهدوء وهي تطالع الآخرى التي جعدت عينيها فجاه وكأنها تحاول تذكر شيء.
وفجاه صاحت بصوت عالي عندما تذكرت.
"أنتِ من توفّي والداها، أليس كذلك؟!"
أردفت بنبرة حماس لأنها تذكرت ولكن حل الصمت فجاه فوالديها كانا ينظرا لها بأتنيب على نبرتها تلك بينما آريا كانت تنظر لها بهدوء.
أدركت أخيرًا ما الذي فعلته لذا تحمحمت بخجل وقبل أن تعتذر أبتسمت لها آريا بلطف وأمسكت يدها وربتت عليها بمعنى لا بأس.
ليذوب قلب من أمامها وفي داخلها أقسمت أنها كانت ستقع في حبها إن لم تكن مستيقمه الميول.
"آريا عزيزتي تعالي لأريك غرفتك ولأخبرك أيضًا عن بعض القوانين التي يجب أن تعرفيها في منزلنا المتواضع"
أردفت العمه بلطف لتومأ آريا وتتجه معها إلى السلالم التي تؤدي إلى ممر الغرف ولم تتوقف العمه عن الإلتفات ورمق إبنتها بنظرات متوعده ومؤنبه على كلماتها غير المهذبه.
"هذه ستكون غرفتكِ يا عزيزتي، وآمل حقًّا أن تروقَ لكِ."
أردفت العمة كلماتها بنبرةٍ يغمرها الدفء، وهي تدفع باب الغرفة ببطء، فتحتْه كما لو أنّها تكشفُ عن قطعةٍ آثريع محفوظةٍ منذ زمن.
وحين وقعت عينا آريا على الغرفة، خفَتَت أنفاسُها قليلًا دون أن تشعر.
فكانت الغرفةٌ تحمل طابعًا أرستقراطيًا دافئًا، تبدو وكأنها تنتمي إلى قصرٍ أوروبيّ قديم تغمره الأناقة الهادئة.
الجدران مزخرفة بتفاصيل كلاسيكيّة دقيقة، تتدلّى أمام النوافذ العالية ستائر ثقيلة بلون العاج تنساب بنعومة حتى الأرض، بينما يتسلّل ضوء الشمس الذهبي عبر الزجاج الطويل فيغمر الغرفة بوهجٍ حالم.
السرير بسيط بأغطيةٍ فاتحة اللون يمنح المكان راحةً ناعمة، في حين تضيف السجادة العتيقة لمسةً فخمة ودافئة تحت الأقدام.
وبالقرب من النافذة توجد طاولة خشبيّة صغيرة ومصباح خافت الإضاءة.
ولكن ما يميّز المكان حقًا هو شعوره بالسكينة؛ لا يبدو فخمًا بطريقة متكلّفة، بل أنيقًا بعراقةٍ هادئة.
حوّلت آريا نظرها نحو العمه، ثم ابتسمت لها بوداعةٍ شاكرة، فبادلتها المرأةُ الابتسام وربّتت على كتفها بحنانٍ أموميّ.
"حمّام غرفتكِ معطّلٌ حاليًّا، لذا ستضطرّين لاستخدام الحمّام الموجود في آخر الممرّ إلى أن يعود ابني ويُصلحه لكِ."
"لا بأس عمّتي، شكرًا جزيلًا على ضيافتكِ."
أجابتها آريا بأدبٍ رقيق، جعل العمة تتأثّر بها على الفور.
إذ كانت الفتاةُ مهذّبةً إلى درجةٍ أثارت داخل المرأة حسرةً دفينة؛ فتنهّدت في سرّها وهي تتمنّى لو أنّ أبناءها تعلّموا شيئًا واحدًا فقط من هذا الرُّقيّ الهادئ.
أطلقت زفرةً يائسة، ثم ربّتت على ظهر آريا بلطف.
"بارك الله فيكِ يا ابنتي، وأتمنى أن تبقي هكذا دائمًا.
فمصاحبةُ اللئيمِ تُعدي، كما يُعدي الأجربُ الصحيحَ."
أردفت عبارتها الأخيرة بخيبةٍ ثقيلة، فتجعّد حاجبا آريا باستغراب.
لكن قبل أن تسأل عمّا تعنيه، كانت العمة قد أمسكت بيدها وسحبتها بحماسٍ إلى الخارج.
"والآن، حان وقت تعريفكِ بقوانين منزلنا!"
سارتا معًا عبر الممرّ الطويل، حتى وصلتا إلى غرفةٍ واسعةٍ مجاورةٍ لغرفة المعيشة، بدت وكأنّها انتُزعت من دراما تاريخيّة قديمة.
في منتصفها استقرّت طاولةُ طعامٍ ضخمة، تمتدُّ بطولٍ مهيبٍ يكفي وليمةً ملكيّة.
وفي زاويةٍ تبعد عنها قليلًا، توضّعت أرائكُ جلديّةٌ بنّيةُ اللون تحيط بطاولةٍ زجاجيّة، فوقها أباريقُ شايٍ أنيقة.
تقدّمت العمة بخطواتٍ سريعة نحو أربعة صناديق زجاجيّة مصطفّة في أقصى الغرفة، ثم فتحت أحدها وأخرجت جرسًا أحمرَ، تتلألأ قاعدته بلونٍ ذهبيّ.
أمسكت به وراحت تهزّه.
فانطلق صوتُه عاليًا، عميقًا ومهيبًا بصورةٍ غريبة.
وبعد لحظاتٍ أعادته إلى مكانه داخل الصندوق وأغلقته بعناية.
"آريا عزيزتي، اقتربي!"
أردفت بحماسٍ طفولي، وهي تُشير إليها.
وما إن وقفت آريا بجوارها حتى انفتح باب الغرفة فجأة، ودخل جميع أفراد العائلة تباعًا.
التفتت آريا بدهشةٍ واضحة، بينما اتّسعت ابتسامة العمة أكثر حين رأت تعابيرها.
"دعيني أوضّح لكِ، هذا الجرس الأحمر هو جرس الاجتماعات العائلية.
حين يُقرَع، يتوجّب على الجميع الحضور إلى هنا فورًا لمناقشة أيِّ شأنٍ يخصّ العائلة."
أردفتها وهي تُشير باعتزازٍ إلى الجرس الأحمر.
ثم فتحت صندوقًا آخر وأخرجت جرسًا أصفرَ بلونِ شمسٍ لطيفة.
"أما هذا فهو جرس الفطور."
هزّته قليلًا، فانطلق صوتٌ ناعمٌ، رقيق، يحملُ انتعاشَ الصباحِ فعلًا.
"وحين يدقّ، يجتمع الجميع هنا لتناول الفطور."
ثم أخرجت الجرس البرتقالي.
"وهذا جرس الغداء."
وما إن اهتزّ بين يديها حتى انساب منه صوتٌ دافئ، يبعثُ داخل النفسِ شعورًا غريبًا بالإشراق والحميميّة.
وأخيرًا، رفعت جرسًا بنفسجيًّا أنيقًا.
"وهذا جرس العشاء."
وحين دوّى صوته، كان هادئًا، عميقًا، باعثًا على السكينة، كأنّه صُمّم خصيصًا لليل.
ابتسمت العمة وهي تعيد الأجراس إلى أماكنها.
"في البداية قد تختلط عليكِ الأصوات، فتظنّين جرس الفطور غداءً أو العشاء فطورًا، لكنكِ ستعتادين عليها مع الوقت."
أومأت آريا بانتباهٍ كامل، ورغم غرابة ما تسمعه، بقيت ملامحها هادئةً على نحوٍ أثار إعجاب العمة.
"وهذا هو قانون المنزل الأول."
أردفت العمة فجأةً بنبرةٍ حازمة.
"حين يُقرَع أيُّ جرس، يجب أن يحضر الجميع فورًا.
لا أعذار إطلاقًا، إلّا المرض الذي يمنعكِ من مغادرة السرير.
وإن ادّعى أحدهم المرض كذبًا، فسيُعاقب."
ثم أضافت وهي تُضيّق عينيها بصرامة.
"ولكلّ فردٍ في هذا المنزل عقابه الخاص، حتى ربُّ المنزل نفسه."
وفي اللحظة التي أردفت فيها ذلك، ألقت نظرةً حادّة نحو زوجها، الذي وقف بعيدًا يحاولُ تفادي عينيها بخجلٍ واضح.
إذ كان كثيرًا ما يدّعي المرض ليبقى مدلّلًا في سريره، لينتهي به الأمر مُعاقَبًا بمساعدة جارهم في تنظيف مخلفات الأبقار.
لم تستطع آريا منع نفسها.
فانفلتت منها ضحكةٌ صغيرة، ناعمة، خاطفة.
لكنّها سرعان ما شهقت بخجلٍ حالما أدركت أنّها ضحكت بصوتٍ مسموع.
"آسفة...لم أقصد."
أردفت بسرعة، بينما عمّ الصمتُ المكان للحظة.
وفجأة
أمسكت العمة وجنتيها بكلتا يديها، ثم قبّلت خدّها الأيمن بقوة.
"يا إلهي، كم أنتِ لطيفة!"
أردفت بانبهارٍ صادق، لينفجر باقي أفراد العائلة بالضحك وهم جالسون على الأرائك.
أما آريا، فاتّسعت عيناها بخجلٍ وارتباك.
"حسنًا، نأتي الآن إلى القانون الثاني."
أردفت العمة وهي تستعيد وقارها بصعوبة.
"وربما لن يعجبكِ، تمامًا كما لا يعجب ليورا."
التفتت نحو ابنتها، التي كانت قد شبكت ذراعيها وهي تقلب عينيها بمللٍ واضح.
فتنهّدت العمة بعمق، وأرسلت لها نظرةً توعّديّة جعلت ليورا تشيح بوجهها فورًا.
"القانون الثاني يقول: يُمنع ارتداء أيِّ نوعٍ من السراويل أو القمصان قبل انتهاء واجبات اليوم الثلاثة.
أي قبل انتهاء العشاء.
خلال النهار يُسمح فقط بالفساتين، والتنانير، والبلوزات اللائقة.
أما بعد العشاء، فيمكنكِ ارتداء ما تشائين."
أومأت آريا بتفهّم، بل وبدا على وجهها شيءٌ من الاستحسان.
ورغم أنّ معظم ملابسها كانت سراويل وقمصانًا، إلّا أنّ الفكرة بدت لها لطيفةً على نحوٍ غير متوقّع.
ابتسمت العمة براحةٍ حين رأت تقبّلها للأمر، إذ لم يسبق لأحدٍ من أفراد العائلة أن استقبل هذا القانون دون اعتراض.
"أما القانون الثالث والأخير..."
أردفت العمة بنبرةٍ أكثر جديّة.
"فهو ممنوع الخروج ليلًا خارج أسوار المنزل دون مرافقة أحد رجال العائلة.
يمكنكِ التجوّل في الحديقة وحدكِ إن شئتِ، لكن خارج المنزل لا.
نحن فقط نريد الاطمئنان."
ثم أضافت سريعًا.
"وبالمناسبة، لا مانع إن تأخّرتِ خارجًا حتى الفجر أو عدتِ في صباح اليوم التالي، ما دمتِ برفقة أحد رجال المنزل."
أومأت آريا مرّةً أخرى بهدوء، فازداد إعجاب العمة بها أكثر فأكثر.
إذ لم تُظهر امتعاضًا، ولا اعتراضًا، ولا حتى تعبيرًا ساخطًا واحدًا.
"حسنًا إذًا، بقي أن أعرّفكِ على أفراد العائلة، ثم نترككِ لترتاحي، فلا بدّ أنّ السفر أنهككِ."
أردفت بحنان، وهي تمرّر يدها فوق شعرها بلطف.
ثم أشارت نحو شابٍّ يقف بهدوء.
"هذا ابني الأكبر، الوحيد الذي نجحتُ في تربيته كما ينبغي."
أخذت تربت على كتفه بفخر قبل أن تكمل.
"باستيان. يعمل طبيبَ تشريح."
حوّلت آريا نظرها إليه.
كان طويلَ القامة، ذا خصلاتٍ بنّيةٍ ناعمة تتناسق مع لون عينيه، وبنيةٍ رياضيّةٍ متناسقة، أمّا ملامحه فكانت تبعث شعورًا غريبًا بالأمان.
"تشرفتُ بمعرفتكِ."
أردف وهو يمدّ يده إليها.
وحين وضعت يدها في يده، انحنى قليلًا وقبّلها برفقٍ أشبهَ بما يفعله النبلاء في الروايات القديمة.
اتّسعت عينا آريا بدهشةٍ وخجل.
"الشرفُ لي..."
همست بها مرتبكة، بينما ابتسم باستيان وترك يدها على مضض.
أما العمة، فكانت تبتسم في صمت، وقد بدأت بالفعل تخطّط لزفافهما داخل رأسها.
لكنّها هزّت رأسها سريعًا لتطرد تلك الأفكار.
"وهذا ابني قبل الأخير، ليونيل.
ما يزال في المرحلة الأخيرة من الثانوية."
رفع ليونيل يده ولوّح لها بودّ، فبادلته الابتسام ولوّحت له هي الأخرى.
"وبالطبع، هذه ليورا."
أردفتها العمة بضجرٍ مفتعل.
"أصغر أبنائي، وأكثرهم قلّةً في التهذيب."
ابتسمت ليورا بمرح، ثم رفعت حاجبيها باستفزازٍ وهي تقذف شعرها خلف كتفها بفخر.
فضحكت آريا بخفة.
إذ بدت لها هذه العائلة بأكملها غريبة لكن... بطريقةٍ محبّبة.
"وهناك أيضًا ابني الأوسط، لكنه في الجامعة الآن.
يدرس الحقوق في سنته الأولى، وسيعود قريبًا لتتعرفي عليه."
ثم ابتسمت أخيرًا مردفه.
"والآن، اذهبي لترتاحي."
أومأت آريا، فقد كانت تشعر فعلًا بثقل السفر فوق جسدها.
فانحنت لهم جميعًا باحترام.
"بعد إذنكم...سأذهب لأخذ قسطٍ من الراحة.
تشرفتُ بمعرفتكم جميعًا."
أردفتها برقة، قبل أن تعتدل واقفة.
فبادلها الجميع الابتسام، بينما تمنّوا لها بصدقٍ أيّامًا سعيدةً بينهم.
أخذت آريا تُفرغُ أمتعتَها ببطءٍ داخل خزانةِ الملابس العتيقة، ترتّبُ ثيابَها بعنايةٍ وتضع أدواتِها الصغيرة فوق المكتب الخشبيّ وطاولةِ الزينةِ التي جلبها لها زوجُ العمة قبل دقائق معدودة، بإصرارٍ لطيفٍ جعلها تشعر وكأنّهم يحاولون بكلِّ ما أوتوا من قوه أن يُقنعوها بأنّ هذا المكان قد يصبح مكانها.
وكما توقّعت من عمّتها الكريمة، لم تكن الخزانةُ فارغة.
بل امتلأت بالفعل بفساتينَ رقيقة، وتنانيرَ أنيقة، وبلوزاتٍ ذات طابعٍ كلاسيكيٍّ راقٍ، اختيرت بعنايةٍ تتماشى مع قوانين المنزل التي سُمِعت قبل لحظات.
ابتسمت بخفّةٍ وهي تمرّر أصابعها فوق الأقمشة الناعمة، شاعرةً بغرابةِ الأمر.
واصلت ترتيبَ بقيّة أغراضها في أماكنها الصحيحة، حتى لم يتبقَّ سوى إطارٍ صغيرٍ يحتوي صورةَ عائلتها.
توقّفت، وحين حملت الصورة بين يديها، خفتَت ملامحُها شيئًا فشيئًا.
راحت تُحدّق في الوجوه المبتسمة داخل الإطار، وسرعان ما تجمّعت الدموع داخل عينيها.
فمهما تغيّر المكانُ من حولها، ومهما تبدّل أسلوبُ حياتها، لن تستطع إقناع عقلها، بأنّ الحياةَ لم تكن ظالمة حين انتزعت منها أثمنَ ما امتلكته دون إنذارٍ.
خرج نفسٌ مرتجفٌ من بين شفتيها، ثم مسحت دموعها سريعًا، ووضعت الصورة فوق الطاولة برفق، ثم تمدّدت فوق السرير، تُحدّق بالسقفِ المزخرف الذي تتشابك فيه النقوشُ.
وبينما كانت الأفكارُ تتزاحم داخل رأسها، أخذ عقلُها يثقل تدريجيًّا.
التعبَ بدأ يُطفئ الخلايا واحدةً تلو الأخرى؛ خلايا التفكير، والقلق، والحنين، حتى تلك التي تُبقي عينيها مفتوحتين.
وما هي إلّا لحظات، حتى أغمضت عينيها أخيرًا، وانزلقت بهدوءٍ إلى عالمٍ هادئ.
لكنّ ذلك الهدوء لم يدم طويلًا.
فبعد ساعتين تقريبًا، مزّق سكونَ الليل صوتُ درّاجةٍ ناريّةٍ مرتفع، دوّى في الخارج بطريقةٍ جعلت النومَ يتبدّد من عينيها فورًا.
فتحت عينيها ببطءٍ وتثاقل، ثم ألقت نظرةً نحو النوافذ الطويلة في آخر الغرفة، لتكتشف أنّ الليل قد تمدّد بالفعل فوق السماء.
اعتدلت جالسةً بوهن، ثم نهضت ببطءٍ واتّجهت نحو النوافذ الزجاجيّة الطويلة التي عند فتحها تؤدي إلى شرفةٍ تطلّ على الحديقة الخلفيّة للمنزل.
دفعت الزجاج برفق، فتسلّل هواء الليل البارد إلى الداخل، يحرّك خصلات شعرها بلطف.
خرجت إلى الشرفة بخطواتٍ هادئة، ثم انحنت قليلًا فوق السور الحجريّ محاولةً تحديد مصدر الصوت.
لكنّها لم ترَ شيئًا.
لذا استسلمت أخيرًا، واستدارت عائدةً إلى الداخل، لولا أنّ صوتَ الدرّاجة عاد من جديد، أعلى وأقرب هذه المرّة.
فعادت بسرعةٍ إلى حافة الشرفة، تستندُ بكلتا يديها على السور، وعيناها تبحثان بفضول.
وحينها رأته.
شابٌّ يقود درّاجةً ناريّةً سوداء وسط الحديقة الواسعة، يتحرّك بها بثقةٍ مستفزّة تكاد تُشبه الاستعراض.
كان يرتدي قميصًا أسودَ مفتوحَ الأزرار العلويّة الأربعه، تنسدل من عنقه سلسلةٌ فضيّة طويلة، بينما التفّ البنطالُ الرسميّ الأسود حول ساقيه بانسيابيّةٍ أنيقة.
أما خوذته السوداء فحجبت ملامحه بالكامل، مانحةً إيّاه هالةً غامضة.
ظلّ يدور بالدراجة في أرجاء الحديقة بحركاتٍ خطرة، يُميلها بحدّةٍ قريبةٍ من الأرض، ثم يعيد توازنها في اللحظة الأخيرة ببراعةٍ أربكت أنفاسها.
ومع كلِّ انحناءة، كانت آريا تشعر أنّه على وشك السقوط.
حتى وضعت يديها فوق عينيها غريزيًّا، غير قادرةٍ على تحمّل فكرة ارتطامه بالأرض أمامها.
مرّت عدّة لحظات، لكنّها لم تسمع صوتَ اصطدام.
لذا فرّقت أصابعها ببطء، تنظر من خلالها بحذر.
لتجده قد أوقف الدرّاجة أخيرًا، وما يزال جالسًا فوقها بهدوء، يتصفّح هاتفه وكأنّ ما فعله قبل لحظاتٍ أمرٌ اعتيادي.
وبعد ثوانٍ، دسّ الهاتف في جيبه، ثم رفع يديه إلى الخوذة وخلعها ببطء.
فانسدل شعرُه البنّي، المائل إلى الأشقر الداكن، فوق جبينه بخصلاتٍ فوضويّة بعثرتها الرياح.
أخذ يمرّر أصابعه بين شعره، يعيده إلى الخلف، بعدما هبطت بعض الخصلات فوق عينيه.
ثم توقّف فجأة، ورفع رأسه إلى الأعلى، ليلتقي نظرُه بها.
إذ كانت تقف تحت ضوء القمر بثوبٍ أبيضَ رقيق، مُطرّزٍ بخيوطِ دانتيلٍ ناعمة على الحوافّ والأكتاف، بينما تدلّى شريطُ ساتانٍ رفيع من مقدّمة صدرها بانسيابيّةٍ.
أما شعرها الأسود الطويل، فكان ينسدل فوق كتفيها بحرّيّة، تُداعبه نسمات الليل فيرتجف بخفّةٍ حول وجهها الشاحب.
وظلّا يتبادلان النظرات بصمت.
هو في الأسفل، مستندًا فوق درّاجته وسط الظلام.
وهي في الأعلى، لا تستطع إبعاد عينيها عنه.
ولم يقطع ذلك السكون المشدود سوى صوتُ ليورا الصاخب، وهي تصرخ من داخل المنزل بحماسٍ هستيري.
"وصلت العداله!!!"
....
رأيكم؟
آريا؟
ليورا؟
العمه والزوج؟
باستيان؟
ليونيل؟
ظهور ذلك الفتى المفاجئ؟