NOVELFLEX

حين اخفى الله عليك حقيقتهم

أماني وان تحققت · بقلم Abir Ms

الفصل التاسع: حين أخفى الله عنك الحقيقة

من كتاب: أماني وإن تحققت

يُخفون عنك الأشياء، وأنت تتساءل في صمت: لماذا لم يُرِد الله أن أعرف؟ لماذا تركني أعيش بين احتمالات لا تنتهي، أُحسن الظن بمن حولي، وأمنحهم من قلبي ما لا يمنحونه لي، وأبحث لهم عن أعذار لم يكلّفوا أنفسهم عناء اختلاقها؟ لماذا كنت آخر من يعلم، بينما كانت الحقيقة تتنقّل بين الجميع، كأنها سرّ اتفق العالم على ألّا يصل إليّ؟

كنت أظنّ أن المعرفة حقّ لا ينبغي أن يُحرم منه أحد، وأن الصراحة مهما بلغت قسوتها أرحم من جهل طويل. كنت أقول لنفسي إنني أستطيع تحمّل كل شيء، وإن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، لن تغيّرني. لم أكن أعرف أن بعض الحقائق لا تؤلمنا لأنها تكشف ما حدث فحسب، بل لأنها تهدم الصورة التي صنعناها في قلوبنا عن أشخاص منحناهم مكانة لم يعرفوا يومًا كيف يحافظون عليها.

لم أكن أخشى الحقيقة بقدر ما كنت أخشى نفسي بعدها؛ تلك النسخة التي قد تستيقظ يومًا فلا تعود قادرة على الضحك بالطريقة نفسها، ولا على منح الثقة بسهولة، ولا على النظر إلى الوجوه بعفوية من لم يتعلّم بعد أن خلف بعض الابتسامات حكايات لا تشبهها.

كنت أعتقد أن نقاء القلب يعني أن ترى الخير في الجميع، وأن تُحسن تفسير تصرفاتهم، وأن تتجاوز الكلمات التي تؤلمك لأنك تؤمن بأن لكل إنسان ظروفه وأسبابه. لكنني اكتشفت مع الوقت أن النقاء لا يعني ألّا ترى الحقيقة، بل ألّا تسمح لها بأن تحوّلك إلى شخص يشبه القسوة التي آذتك.

ومع ذلك، بقي سؤال يرافقني كلما شعرت بأن شيئًا ما يُخفى عني: لماذا لا أعرف؟ لماذا تتغيّر نبرة الحديث حين أقترب، ولماذا تتوقف الكلمات فجأة حين أدخل، ولماذا أشعر أحيانًا أنني أعيش وسط حكاية يعرف الجميع نهايتها إلا أنا؟

كنت ألوم نفسي على شكوكي، ثم أعود فألومها على ثقتي، حتى أصبحت معلّقًا بين شعورين متناقضين؛ أخاف أن أسيء الظن، وأخاف أكثر أن يكون حسن ظني هو الباب الذي دخلت منه خيباتي.

وفي إحدى الليالي، جلست وحدي أراجع وجوهًا كثيرة مرّت بحياتي. تذكّرت أشخاصًا دافعت عنهم أمام الآخرين، مع أنني لم أكن أعرف كل ما فعلوه. وتذكّرت مواقف كنت فيها الطرف الأخير الذي تصله الأخبار، ومع ذلك كنت أبتسم حين أكتشفها، وكأنني أريد أن أُثبت للعالم أنني لا أتأثر، بينما كنت في داخلي أجمع شظايا صغيرة من ثقتي وأحاول ألّا يسمع أحد صوت انكسارها.

حينها سألت نفسي: هل كنت ساذجًا إلى هذه الدرجة، أم أنني كنت نقيًّا أكثر مما ينبغي؟

لم أجد جوابًا. وجدت فقط تعبًا قديمًا، تعب الشخص الذي يحاول أن يكون جيدًا في عالم لا يضمن له الآخرون فيه المعاملة نفسها. أدركت أنني كنت أخلط بين طيبة القلب وضرورة البقاء متاحًا للجميع، وبين التسامح وحق الآخرين في تكرار الأذى، وبين المحبة والتغاضي عن كل ما يستحق الوقوف عنده.

لكن أكثر ما أدهشني أنني، رغم كل شيء، لم أندم على قلبي.

نعم، ندمت على بعض المواقف، وعلى صمت طال أكثر مما ينبغي، وعلى أعذار اخترعتها لأحمي أشخاصًا لم يحاولوا حمايتي من الحقيقة. لكنني لم أندم على أنني كنت صادقًا، ولا على أنني منحت الودّ حين استطعت، ولا على أنني آمنت بأن الإنسان يستطيع أن يكون جميلًا من الداخل، حتى عندما لا يكون العالم من حوله كذلك.

ربما لهذا السبب لم أفهم يومًا لماذا تتأخر بعض الحقائق عن الوصول إلينا. كنت أريد أن أعرف كل شيء في وقته، وأن أفهم كل تصرّف، وأن أمتلك تفسيرًا لكل غياب وتغيّر وصمت. لم أدرك أن الحياة لا تمنحنا دائمًا إجابات فورية، وأن بعض الأبواب لا تُفتح لمجرد أننا أرهقنا أنفسنا في طرقها.

وأحيانًا، لا يكون تأخر الحقيقة دليلًا على أن الله أخفاها عنك خصيصًا، ولا يمكننا الجزم بأن كل ما جهلناه كان حماية لنا؛ لكننا نستطيع أن نؤمن بأن الله يعلم ضعفنا وقوة احتمالنا، وأن ما لم نفهم حكمته اليوم قد يصبح، بعد أعوام، جزءًا من نضجنا وفهمنا لأنفسنا.

فكم من أمر بكينا لأننا لم نعرفه، ثم حمدنا الله لأننا لم نعرفه في الوقت الذي كنا فيه عاجزين عن احتماله! وكم من حقيقة تمنّينا اكتشافها، ثم تمنّينا لو أننا لم نطّلع على تفاصيلها بتلك الطريقة القاسية! وكم من شخص ظننا أن غيابه نهاية الطريق، ثم اكتشفنا أن الحياة كانت تتّسع من حولنا كلما ابتعدنا عن المكان الذي ضاق بنا!

ولعلّ الرحمة لا تكون دائمًا في أن تُحجب عنك الحقيقة إلى الأبد، بل في أن تصل إليك حين تصبح قادرًا على التعامل معها دون أن تفقد نفسك. ولعلّ بعض الأجوبة تأتي متأخرة، لا لتغيّر الماضي، بل لتمنحك القدرة على فهمه والمضيّ قدمًا دون أن تبقى أسيرًا له.

تعلّمت ألّا أُرهق روحي بمحاولة انتزاع كل الأسرار من أصحابها، وألّا أعتبر كل صمت خيانة، ولا كل تأخّر في المعرفة علامة على أنني أقلّ شأنًا من الآخرين. فهناك أمور لا أعرفها لأنني لم أكن حاضرًا، وأخرى لأن أصحابها اختاروا ألّا يتحدثوا، وأشياء لن أعرف حقيقتها كاملة مهما حاولت. وقد يكون تقبّل ذلك أصعب من معرفة الإجابة نفسها.

لم أعد أطلب من الحياة أن تكشف لي كل شيء، بل صرت أطلب من الله بصيرةً تُمكّنني من فهم ما يظهر لي، وحكمةً تجعلني أتوقف حين لا تكون المعرفة في يدي، وقوةً تمنعني من ربط قيمتي بما يخفيه الآخرون عني.

فأنا لست أقلّ قيمة لأنني لم أكن أول من يعلم، ولست غبيًّا لأنني أحسنت الظن، ولست ضعيفًا لأنني تألمت حين ظهرت الحقيقة. إنما أنا إنسان تعلّم، بالطريقة التي استطاع بها، أن القلب النقي ليس قلبًا لا يُجرح، بل قلبًا يخرج من جراحه أكثر وعيًا، دون أن يتخلّى عن إنسانيته.

واليوم، حين أتذكّر الأشياء التي لم أعرفها إلا متأخرًا، لا أقول دائمًا إن الله أخفاها عني كي لا يجرح قلبي؛ فأنا لا أعلم الغيب، ولا أعرف الحكمة الكاملة وراء ما حدث. لكنني أقول إن الله كان معي حين عرفتها، وإن رحمته أوسع من أن تُختصر في تفسير واحد، وإنني أستطيع أن أبدأ من جديد حتى بعد أن تتضح لي حقائق تمنّيت لو بقيت بعيدة.

لقد فهمت أخيرًا أن الأماني لا تتحقق دائمًا بالطريقة التي نرسمها، وأن بعض ما نتمناه قد يتأخر، وبعض ما نخشاه قد يحدث، لكننا نظل قادرين على العثور على معنى جديد لما نمرّ به.

أما قلبي، ذلك الذي خشيت طويلًا أن تجرحه الحقيقة، فقد قررت ألّا أتركه يعيش خائفًا منها. سأحميه بالوعي، لا بالجهل، وبالحدود، لا بالشكّ في الجميع، وبحسن الظن الذي لا يُلغي حقي في الانتباه.

فليس كل ما خُفي عنك كان حماية، وليس كل ما كُشف لك كان عقابًا؛ لكنك تستطيع أن تجعل من كل حقيقة درسًا، ومن كل خيبة بدايةً، ومن كل أمنية لم تتحقق بابًا لأمنية أخرى.

وربما، في يوم بعيد، ستلتفت إلى الطريق الذي مشيت فيه، وتبتسم لتلك النسخة منك التي كانت تبكي لأنها لا تعرف، ثم تقول لها بهدوء:

«لم يكن عليك أن تعرف كل شيء منذ البداية، ولم يكن عليك أن تفهم كل شيء في حينه. كان يكفي أن تعيش، وأن تتعلّم، وأن تحافظ على ذلك النور الذي في قلبك، دون أن تسمح لأحد بأن يقنعك بأن النقاء خطيئة».

فبعض الحقائق تُغيّر نظرتنا إلى الآخرين، لكن الأجمل ألّا تسمح لها بأن تسرق نظرتنا الجميلة إلى الحياة.

وهكذا، لم تعد أمنيتي أن أعرف كل ما يُخفى عني، بل أن أكون مستعدًّا لما قد أعرفه، وأن أمتلك الشجاعة لأواجهه، والحكمة لأتجاوز ما لا أستطيع تغييره، والطمأنينة لأترك لله ما عجزت عن فهمه.

فربما لا نملك اختيار كل ما يحدث لنا، لكننا نملك، مع الوقت، أن نختار ما الذي ستصنعه تلك الأحداث منّا.

وهذ

ا وحده كان كنزًا آخر اكتشفته في رحلتي نحو أماني وإن تحققت.