الفصل الخامس | حين يكفُّ الخوف عن اقتسام عمري
المشهد الأول: تلك الليلة التي بدأ فيها كل شيء
كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل، والغرفة غارقة في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت عقارب الساعة وهي تمضي ببطءٍ مستفزّ، كأنها تذكّرني بأن الوقت لا ينتظر أحدًا، وأن الأيام التي أخاف ضياعها تمرّ فعلًا، بينما أنا ما زلت عالقةً في مكاني.
جلستُ على حافة سريري، وكتبي مفتوحة أمامي، وأوراقي مبعثرة على الأرض، لكنّ عينيّ لم تكونا تقرآن شيئًا. كنت أحدّق في الصفحة نفسها منذ دقائق طويلة، أحرّك القلم بين أصابعي، ثم أضعه، ثم أعود إلى حمله، وكأنني أنتظر من الكلمات أن تمنحني جوابًا عن سؤالٍ لم أجرؤ على نطقه.
ماذا لو فشلت؟
خرج السؤال من أعماقي فجأة، فشعرتُ بانقباضٍ في صدري. ماذا لو درستُ كثيرًا ولم أصل إلى النتيجة التي أحلم بها؟ ماذا لو خيّبتُ ظنّ عائلتي؟ ماذا لو رأيتُ الجميع يتقدّمون، بينما أبقى أنا في مكاني، أحاول اللحاق بحياةٍ لا تنتظرني؟
مددتُ يدي نحو هاتفي، وفتحتُ إحدى مجموعات الدراسة. كانت الرسائل تتوالى، يتحدّث أصدقائي عن الدروس التي أنهَوها، والامتحانات التي يستعدّون لها، والخطط التي رسموها للأيام القادمة. قرأتُ كلماتهم بصمت، وشعرتُ بشيءٍ غريب يتسلّل إلى قلبي؛ لم أعد أرى تقدّمهم مجرّد تقدّم، بل بدأت أراه دليلًا على تأخّري، وكأن نجاح الآخرين إعلانٌ صامت عن فشلي القادم.
أغلقتُ الهاتف بسرعة، لكنّ الكلمات بقيت عالقةً في رأسي.
ثم انتقل خوفي إلى مكانٍ آخر.
تذكّرتُ صديقةً تغيّر أسلوبها معي في الأيام الأخيرة، وكيف أصبحت ردودها أقصر، وغيابها أطول. لم أكن أعرف إن كانت مشغولة، أم متعبة، أم أنّ شيئًا ما قد تغيّر بيننا، لكنّ عقلي لم ينتظر الحقيقة. صنع عشرات الاحتمالات، واختار أكثرها إيلامًا. ربما ملّت منّي، ربما وجدت أشخاصًا أفضل، وربما كنتُ مجرّد مرحلةٍ عابرة في حياتها.
وضعتُ الهاتف جانبًا، وأسندتُ رأسي إلى الحائط.
كان الأمر أشبه بسقوطي في حفرةٍ لا نهاية لها؛ كلّما حاولتُ الخروج من فكرة، جذبتني فكرة أخرى. الدراسة، الأصدقاء، المستقبل، نظرة الناس إليّ، خوفي من الخذلان، خوفي من أن أكبر دون أن أصبح الشخص الذي تمنّيتُ أن أكونه.
حتى أنفاسي بدأت تضيق، وشعرتُ بأن الغرفة، رغم اتّساعها، لم تعد تتّسع لكلّ ما يدور داخلي.
همستُ لنفسي: «لماذا أخاف من كلّ شيء؟ لماذا لا أستطيع أن أعيش يومًا واحدًا دون أن أفكّر في الأشياء التي قد تحدث غدًا؟»
لم يُجبني أحد.
نظرتُ من النافذة. كان الشارع خاليًا، والمصابيح تنثر ضوءًا باهتًا على الأرصفة، وفي أحد البيوت البعيدة كانت نافذة مضاءة، فخيّل إليّ أنّ هناك شخصًا آخر مستيقظًا مثلي، يخوض حربه الصامتة مع أفكارٍ لا يراها أحد.
في تلك اللحظة، لم أبكِ لأنّني فشلت، ولم أبكِ لأنّ صديقةً تركتني، ولم أبكِ لأنّ مستقبلي ضاع؛ بل بكيتُ لأنّني كنتُ خائفةً من كلّ ذلك، رغم أنّ شيئًا منه لم يحدث بعد.
وهنا بدأت الحكاية الحقيقية.
لم يكن خوفي عدوًّا ظهر فجأةً ليحطّم حياتي، بل كان صوتًا صغيرًا رافقني طويلًا، ثم تعلّم كيف يكبر كلّما صدّقتُه. كان يقنعني بأنّ الحذر يعني ألّا أحلم كثيرًا، وأنّ الاستعداد للفشل يعني أن أتوقّعه دائمًا، وأنّ التعلّق بالناس خطر، وأنّ المستقبل بابٌ مظلم ينبغي أن أخشاه قبل أن أفتحه.
لكنّني، وأنا أمسح دموعي تلك الليلة، لم أكن أعرف أنّ أصعب معاركي لن تكون مع الامتحانات، ولا مع تغيّر الأصدقاء، ولا مع تقلّبات الحياة؛ بل مع ذلك الصوت الذي يسكن رأسي ويهمس لي كلّما حاولتُ التقدّم:
«وماذا لو لم تنجحي؟»
كان عليّ أن أجد جوابًا لهذا السؤال، قبل أن يسرق منّي ما تبقّى من شجاعتي.
وكان عليّ أن أكتشف أنّ الحياة لا تمنحنا دائمًا اليقين قبل الخطوة الأولى، وأنّ الشجاعة ليست أن نعرف أنّ الطريق آمن، بل أن نتعلّم السير رغم أنّنا لا نعرف إلى أين ستقودنا كلّ خطوة.
لكنّ السؤال الذي لم أستطع الهروب منه ظلّ يلاحقني: